افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » معجزات الماضي ووعود المستقبل .

معجزات الماضي ووعود المستقبل .

بقلم : صبري يوسف .

في حياة الشعوب والأفراد هناك باب مفتوح على المستقبل ، الإنسان ينشأ أينما شاءت الظروف وفي عمقها يستجيب لقدره .إما خيرا وإما شرا . هناك فقط جزء مهم في الشكل العام يبقى نقيا صافيا لامعا كمنار البحر الذي تلج على أضوائه السفن المحملة بكل شيء ..تلك التي تبحث لنفسها عن مرفأ لتفريغ البضاعة التي ضاقت بها المياه .

في هذا الجزء بالضبط يستطيع الفرد والجماعة والوطن امتلاك القدرة على الاستمرار ، معاندة الظروف ، تجاوز المحنة . لأن الإيمان بوعود المستقبل تصنعه معجزات الماضي لا عجزها .

في بعض الأحيان يقترب الفرد الفاقد للأمل إلى امتهان إنهاء بقية عمره ، إما متسكعا أو مجنونا ، أو متشردا ، أو يضع حدا لكل ذلك . وفجأة يعود إلى الحياة لأن جزءا مهما من تراثه الأصيل أحيا فيه القدرة على العبور إلى بر الأمان .

الشعوب التي لا تملك معجزات بالماضي لا تستطيع بالمطلق النهوض لأنه ليس لديها تلك الطاقة التي توقد . تم تصبح شرارة تنتمي إلى وعد المستقبل،  الذي يصبح واضحا بالرغم من المسافة والأمواج كما في البحر والمحيط .

الصورة هنا تفاعلية ، فوعد المستقبل يرتبط بمعجزات الماضي ، تراث الأجداد ، أفكارهم ، نبلهم ، تصرفاتهم ، وما تركوه من الحضارة الدال على الانتماء إلى مكانة معينة تصبح لبوسا واقيا للقادمين . تلك المعجزات التي تصبح مؤمنة بوعود المستقبل التي ستصبح نفسها معجزات للماضي بمسافة قادمة، سيقطعها الجيل الذي وضعت بين يديه تلك الإمكانية في الزمن الحاضر .

الفرد الفاسد ، والغشاش ، والكسول والعنيد ، والأفاك والزنيم والمتمرد وحتى الخونة الكبار لم يأتوا من فراغ . ففي غياب شوق من الماضي في الأسر التي ينتمي إليها رعيل من هؤلاء يصبح قمينا بنا البحث بشكل “ثاوي” عن ما أحدثته الأيام في سلك بناء أسرهم الأولى ..الأكيد سنجد متعة من الأحداث الكبيرة الفارغة من معجزات الرجال الأفداء والشجعان والشرفاء والأشاوس والصادقين والمؤمنين بالإبداع والابتكار والنجاح .

من أجل ذلك كنت متمسكا بفكرة إنتاج الحاضر بأدوات الماضي في الشق الخاص ببعث الروح في الإنسان بكل درجاته . المسألة ليس سهلة وليست معقدة . إنما يجب أن يكون للحاضر عيون على المستقبل بإشراف الماضي . ذلك الذي يصبح في كل جيل كسيد كبير طاعن في السن . إنما يملك الحكمة كلها . تلك التي تمنح الوافدين الجدد القدرة على تخطي الراهن إلى البوح بالأفكار المجنونة لقيادة العالم في المستقبل .

المجتمع هو بالتالي تشكيلة كبيرة من الأفراد ، إما أن يكونوا عديمي الإرادة بسبب ماضي تغيب فيه نبرة المعجزات . وإما أن يكونوا جيلا من الذين ينتظرون الولادة بدون الحاجة إلى أزمنة الطفولة والحبو . بل ينتقلوا إلى بناء حاضر ومستقبل برؤية لا تنصرف عنها يقظة الكهرباء التي تجري في جسد يؤمن بالانتقال إلى مناخ أخر بأقصى سرعة .

اعتقد جازما أن الفرد المنتمي إلى مجال عائلي يفيض بالنجاح والإلهام ، والتواريخ الرقمية الفاصلة في حياة تلك الأسرة.  سيكون بالتالي كيفلا بالنسبة إليه امتهان شرف العائلة لأنه لا يصعب عليه الدوران والتيه . يكون سهلا على هذا الفرد إيجاد نفسه ووعد المستقبل . إنما بدون محيط وامتداد قابل للتمدد تتيه الأجيال ويبقى الخيط الرفيع ضائعا معها . وتتيه في مستقبل بلا وعود .وتلك معضلة أكبر من طب العرافين ،حينما لا ينفع الطبيب نفسه مداواة سقمه بكل ما توفر لديه من الطب والتقنيات ..