افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » سليدر » مع يوسف / الشكارة …مول الشكارة تعبيرات مغربية صرفة تعني بأن الديمقراطية هي مجرد شعارات فقط .

مع يوسف / الشكارة …مول الشكارة تعبيرات مغربية صرفة تعني بأن الديمقراطية هي مجرد شعارات فقط .

منذ حوالي ثلاث عقود وأنا أسمع عبارة الشكارة . عندما صرت كبيرا بعض الشيء علمت ما معنى الشكارة من خلال والدي “البياع ” . ليس بياعا للمخزن . وليس مشتغلا لفائدة البوليس مثلا أو جدارمية .

حسبي الله ، لم يكن والدي من كل هؤلاء ولكن كانت له علاقة وطيدة بالشكارة . هناك سأتعلم أول الدروس المغربية الصرفة العالية الجودة . High definition  . سأتعلم أن والدي التاجر “على قد الحال ” بأسواق الرحامنة ملتصق يوما عن يوم بالشكارة .

ما هي الشكارة وما معنى الشكارة . هي صناعة جلدية لها رباط يعلق على الكتف . وكل تاجر ووضعه مع شكارته . مع الزمن بدأت أدرك أن الشكارة التي كان يرتديها الوالد كل يوم سوق من الاثنين إلى يوم السبت تحمل أكبر من مجرد شكارة لتاجر بسيط يبيع “الكتان ” . هناك من أجيال اليوم من لا يعرفون الكتان . هو بيع التوب في الأسواق الذي تصنع منه ألبسة النساء وجهاز العرائس .

الشكارة التي سأتعقب تاريخها ستصبح غير تلك التي كان الوالد كل مساء يضعها بين رجليه . جلدية قوية . مصوبة بعناية . لها مقفل عجيب كي تفتح داخلها تحتاج إلى تدوير بعض “المسامير ” المركبة بعناية . فنجلس قربه نعد معه نقودا كانت تبدو أنها سقف “الشكاير ” جميعهم .كانت الدراهم والريالات والعشرة دراهم وما سواها تبدو ربحا كبيرا . بيد أن فيها ربح هزيل وجلها استرجاع لرأس المال . كنت أشعر بأن والدي تكبر “شكارتو ” وأنه مع الأيام سيملك العالم .

السنوات التي تبعت ” مراهقتي ” المعرفية . وبعد الباكالوريا تماما تعلمت أولى الرهانات على محافظ الرجال وشكايرهم . عرفت أن شكارة الحلايقي ليست هي محفظة فرق أحيدوس . وأن شكاير الدقايقية ليست هي نفس شكاير باعة الخبز والبقدونس في سويقات المدن .

لقد كان المغاربة جميعهم يملكون ” الشكاير ” ويخرجون من بيوتهم وهي معلقة على أعناقهم كالهواتف النقالة اليوم. ويعودون وهي معلقة مليئة بالدراهم ولكن ليست كلها بنفس المعنى الحقيقي للشكارة الانتخابية التي سنعرفها في المغرب بعد حين .

الشكارة الانتخابية هي محفظة لا حدود لمالها ونسبها وشرفها . الشكارة بعد كل تلك السنون إلى أن قوى منا العود سنتعرف عليها خالصة . سنتعلم بأن الشكارة “بمعناها “حمولة لكل شيء . هي المصاهرة ، والمال الذي يمنح السلطة ، والجاه ، والأنساب ، وكل شيء يمشي في المغرب بعيدا عن الديمقراطية . سنتعلم بأن الشكارة لا تحمل على الأكتاف كما حملها والدي وغيره من التجار والحرافيش . سنتعرف إلى الشكارة كتعبير رمزي.  بل معناها الحقيقي يكاد يتجاوز حمولة ” الباطوات ” . سأصبح عارفا بأن والدي لم يكن صاحب شكارة . وأن الذين كنت أراهم في الصباح الباكر من الباعة والمارين بشكاكيرهم فقط يمثلون دور “صاحب الشكارة ” تيمننا بخطواته على رأي ابن خلدون . وأن المعنى الحقيقي للشكارة مرتبط جذريا بالانتخابات . بالسلطة . ب”لخروج ودخول ” في الوطن من شرقه إلى غربه بلا حساب أو شقاء . سأتعرف إلى أن أصحاب الشكارة لا تهمهم القوانين ولا القرارات ولا المراسيم الحكومية أو غيرها . سأتعرف إلى أنهم خدام أوفياء محافظهم لا تصبح بالية . ولا تفرغ . تشتري أحكام البراءة . تشتري الكراسي . وهي التي تقيم العدالة على أكتاف الفقراء .

وبعد فيلم مرجان أحمد مرجان لعادل إمام يقنت بعد سنون أن الشكارة هي الديمقراطية الحقيقية . هي أن تملك المال لكي تشتري السلطة بجميع أضلاعها . تشتري أحكام البراءة من القضاء ولو كنت مذنبا . تشتري كرسيا رفيعا على قبتي البرلمان بدون أقسام “تحضيرية ” . من التعليم الأساسي طبعا . تشتري التشريعات . والطرقات . وتقوض دور الدستور والنصوص ، وتعطل الاشتغال بالفصول كلها ، وتصادر الحرية والحق ولا تصون العرض ولا الهامات. هناك علمت أن المغرب بلد ” شكايري ” . وأن قيمة النصوص فيه لا تزال مجرد حكاية . يرويها العكايز لصبيان كما غنى عبد الوهاب الدكالي . وأنه منذ أربعين عاما من عمري لا تزال “الشكارة ” العجيبة هي التي تحرك كل شيء من صندوق “الوقيد” إلى حاويات “الازبال ” .

المغرب جميل جدا ، فيه كل النعم ، فقط الشكارة هي التي تفرض سلطانها وليس للديمقراطية غلبة في حرب كلما خمدت ظهر أن الشكارة هي التي تمنح السلام وتقوض الباقي.

الشكارة التي تعمر في بلد كمفهوم لا يمكن أن يكون معها البلد بشكل من الأشكال يمشي نحو الديمقراطية . ويقطع مع الماضي حتى ولو تصالح معه نظريا ” هيئة الإنصاف والمصالحة ” . لأنك تتحدث عن الشكارة المعجونة بنصوص الديمقراطية الرتيبة التي ستجعل من الشعب متفاوتا تفاوتا خطيرا فيه “خدام الدولة ” . وخدام خدام الدولة . وخدام بلا  ذكر فضل لحساب من يشتغلون ؟ وهنا يكمن “التجاهل” بعينيه الذي تصمم أزيائه الشكارة في وطني الحبيب .