افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » سليدر » مع يوسف : الهربة هي الهربة …بالرغم من الدستور والأحزاب والانتخابات والبرلمان ورؤساء البلديات والكسكس والطاجين والكرموص وبولفاف والشيخات والكروان ..يهرب المغاربة عبر البحر …

مع يوسف : الهربة هي الهربة …بالرغم من الدستور والأحزاب والانتخابات والبرلمان ورؤساء البلديات والكسكس والطاجين والكرموص وبولفاف والشيخات والكروان ..يهرب المغاربة عبر البحر …

المقدس الأكبر في الكون هو الإنسان والحرية بعد الله ومع ذلك يهرب الإنسان ..حينما تشتد به الأورام من كل اتجاه .حينما يدوخ الإنسان فإنه يهرب إلى أي مكان يمكن أن يبدأ فيه حياة لا يعاديها أي فقر ولا أية حالة استنفار أخرى للهرب مجددا .

فحتى لا يتحول الإنسان إلى حيوان “السلعوة ” الأسطوري يأكل أبناءه يهرب تاركا الجمل كما لم يحمل ..الانتماء الاجتماعي الفقير يجعل الرجال يهربون والنساء يهربن بلا عودة ..أو بعد إذن للعودة من وراء عقود …الذين هربوا كان دائما في جيوبهم تراب الوطن وغبار أرضه فاحتفظوا به في بيوتهم الجديدة لأنه من الوطن الذي لم يجد لهم مكانا كي يروا من نفس المنظار عجائب الدنيا ..

في المغرب الجميل بالنسبة للذين يأتون من شوارع لندن هو أغلى ما يوجد في الجنوب ..بخيامه وجماله في الصحراء شلالاته أروضته ..شايه ونعناعه ..كسكسه ومرقه وطواجينه مداحيه وشيخاته وأهازيج الجبال..هو بالنسبة لهم الحرية التي يعلو فيها جوازهم على القانون أحيانا فهم من الشمال والباقي كله جنوب …المغرب يوظف كل إمكاناته لإسعاد القادمين بالعملة وينسى أبنائه الذين يعيشون بلا ضمانة للمستقبل ..بلا “فيزا ” حتى الموت الطبيعي . نمرض نموت ..الفرق أن هناك من يمتلك ضمانة انتزاع روحه من بين براثن الموت فيما غيره يقدم عزائه في إخوته ليلا أو صباحا ..وهم يهيئون له كفنا أبيضا كالإيمان ناصعا براقا ..ينتظرون معه تلك الساعات التي بعدها ينتهي وجع الموت الجائع ..ليأخذوه إلى أقرب مقبرة مع إخوته الذين قضوا وكان بالإمكان غوتهم مليون مرة قبل رحلة الموت السوداء ..حتى أن البعض يمكن لنزلة برد أن تسوقه سوقا إلى القبر كقربان القرون الوسطى الذي يقدم للآلهة على ضفاف الأنهار ومدن الأولمب الشاهقة ..

منذ سنوات يهرب الشباب عبر البحر من كل اتجاه لأن الهربة هي الخلاص . يتسمر الشباب في ريعان الأعمار تحت الشاحنات والسيارات وإن سلموا فقد فازوا وإن كان غير ذلك فعودة إلى الديار في انتظار فرصة أخرى للغرق والموت . أو في انتظار أحوال وأهوال …منذ سنوات تهرب النساء ويهرب الرجال عبر كل البحار التي وجدت من أجل حل لقضاياهم . من أجل حلم أخر غير الذي كبروا عليه ..تاركين ورائهم أغاني الحقول والبداوة ..ولحن الشيخات ومداق الكسكس والطاجين وبولفاف وحمص عاشوراء وسلل الكرموص وشراب الكروان البارد ..ودموع الأمهات والآباء بميقات لن يلتقوا فيه أبدا .

يهربون تاركين لغة الوطن للوطن ..لحدود الوطن الكبيرة ..اللهم ما يبقى معهم في القلب من ذلك الحب والعشق واليتم . عليهم اثنان من الأشياء.  إما عودة ميمونة في يوم من الأيام بشراكم هذا هو الوطن ؟ أو يموتوا من الغربة في أوطان ظلها ظليل أو عدوانها له صهيل كموت العصافير في الجليد كما كتب درويش ..

فقط بدر شاكر السياب الذي أحب مدينة البصرة وعاد إليها  في أوج فكره وشهرته ..حتى مع السجون والمتابعات ..ولما سألوه عن حبه مع المحن قال أحببت البصرة أكبر من كل الأماكن فقط لأنها ميلاد أنجب الأخفش وبشار بن برد والجاحظ وسيبويه والفرزدق وابن المقفع ..والفراهيدي ….يمكن أحيانا للكبار أن يجردوك من صنعة الهروب ..إلا أنها غالبا ما لا تنفع ذكريات الكبار لحبس النفس عن فحوى سؤال  ما معنى الكرامة .