افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » مغادرة سنة إلى عام جديد ليس أمرا سهلا .

مغادرة سنة إلى عام جديد ليس أمرا سهلا .

بقلم : صبري يوسف.

أصبحنا اليوم في عام جديد .في سنة نخطو أولى المسير على أيامها ، كلنا ، جميعنا ، أمما وشعوبا ، أفرادا وجماعات ، فرقا ، أحزابا ، أقليات وأغلبية . لا يهم . الأبلغ أهمية هو كيف خرجنا منها . وكيف سنرسم المستقبل من خلال العبور على تلك الأيام بقلوبنا وأجسادنا . بأشواك تلك السنوات ومطباتها ، منعرجاتها ، سديمها ، ألمها وأملها . حيطانها القصيرة وأسوارها العالية . تسامحها ، ولا تسامحها . رهبتها ورغبتها . عدلها وجورها .

غادرنا عاما ، ترك علينا في حالات متباينة بصماته . إما تلك التي تشبه وضع الإبهام على “بصامة” مصالح تصحيح الإمضاء حيث يبرز الأصبع من تحت الورق . أو تركت على بعضنا الأخر بلسم الأب وهو يحمل ابنه الرضيع بين يديه وقد نام . هذه لا تحتاج إلى شرح فكلكم تعلمون كيفية الحمل وبقية قصة الدفء والحنان البشري اتجاه الرضع وفلذات الكبد معروفة .

فينا من كانت السنة الماضية مليئة بالنسبة إليه بالمأساة . في نفسه وأسرته وعائلته ، غادره الأحبة ، غادره الآباء والأمهات والجدات والأبناء والحفدة . فينا من فقد عمله ، وفينا من جن قريبه ، ومات أعطف الناس عليه . في السنة التي نغادر فيها الذين فقدوا بيوتهم ، والذين نال منهم المرض .وربض على جثتهم. وأخرج أنيابه كالليث ،ووزع الجسد إربا حتى فارق الحياة أمام أهله الذين ينظرون ولا حيلة لهم . فينا الذين ماتوا في جو السماء وتحت الأرض ، فينا الذين خرجوا من ديارهم إلى الشوارع من أجل ندرة الماء والدقيق والدواء ..فينا الذين رؤوا عيون أمهاتهم تفيض من قسوة الداء وقلة ذات اليد . وفين الذين أسدلت على رقابهم أحكام القضاء لظروف ما . ونزلوا أسفل العالم إلى زحمة السجون وجور الأقوياء فيها ، وغبنها ولا عدلها . وشقوتها وسبتها الأليم والآحاد التي تلي أكبر الألم . فينا كذلك الذين شعروا في لحظة بالعزلة وبالدمع ولم يجدوا ماءا بالعيون كي تفيض حنانا منها وشفقة على أوضاعهم . على كل ليس هناك منا من لم يكن في عام يغادره وقد ضاعت عليه أشياء ثمينة أو غادرته الأماني .

إنما غادرنا بالأمس عند منتصف الليل سنة . وأصبحنا بحكم شريعة الله في خلقه في سنة أخرى . سنعد أيامها ، وشهورها ، وسنصبر على مفاجأتها ، على ظلمها إذا ظلمت . وعلى نكساتها إذا عوت . وفي كل هذا العبور يتمسح الإنسان بالصبر على الذي يجابه . طبعا هناك السعداء . هناك الذين لم يمسحوا وجوههم بمناديل الحزن كالذين هم في القاع .لأن الفرق فرق الثروة . فهي تشتري الدواء ، تشتري الكرامة في المرض إلى حدود الموت . وجاهل من يعتبر الثروة مجرد شيء لا يهم . عليه أن يسأل الذين يركبون دون التفكير في الوقود ، والذين يعبرون دون الأداء ، والذين ينامون دون الشعور بالبرد إن كان الجو بردا و بالحر إن كان الجو قائضا  ، هناك من غادر العام دون الشعور به ، دون اعتباره ، دون التفريق بينه وبين باقي الأيام . لأنه لا يخاف إذا مرض ، ولا يعرى ولا يحفى ولا يشعر بالحزن . فهو ملك كل شيء . هذه حقائق ، هناك من يعبر كمن يمشي على السراط وهناك من لا سراط على مسيره .

على كل ، لا يستهان بالمارين جميعهم حتى لو فرقت بينهم الأيام والحظوظ وما يصعب تفسيره  . حتى لو ربتت  الدنيا على أكتاف البعض وقذفت بالآخرين . فقط هناك شيء وحيد وجب التفكير فيه . وهو أن التاريخ البشري يسجل ، يسجل اللحظات ولا يدوس عليها. فهو شريف كالخيل التي لا تدوس على الفارس تعظيما له وإكراما لها حتى لا توصف بالحيوانية . في كل هذا يوجد التاريخ . ذلك الذي لا يثمل ، ولا يمل ، ولا ينسى ولا يرشى . إنه يسجل عبورنا من عام لعام . يسجل القسوة والرخاء . ويعرف كيف يفصل بينهما . والأهم للأمم أن ترعى أجيالها جيدا . الأهم أن يعيش شعب ولا تمر عليه سنة إلا والتي يعبر إليها تكون سمات الكرامة أكبر وأمتار الدموع المكعبة أقل . أي الدموع كانت . فهي أكبر من أن تعد . والعام 2017 بكينا فيه كثيرا . هنا وهناك . في مواقف شتى . في إخواننا الذين تأذوا في عام امتلأ بالدموع . والحزن والأسى . إنما ليس كل الدموع ترى وتنظر . وليس كل ما نراه “قفشات” ..بل صور ذهنية يستعرضها التاريخ في الذين سيلحقون بنا .ليرينا إياهم ، فإما سيحزنوا وإما سيفرحوا على صياغة تاريخنا .