افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » مكافأة نهاية العواء .

مكافأة نهاية العواء .

بقلم : صبري يوسف.

تكاد البرلمانات العربية تكون الأكثر اختلافا عن باقي البلدان التي كرست مفهوم الديمقراطية ومؤسساتها ..ما يعجبك أن كل شيء يقطع المتوسط من كلتا ضفتيه الغربية أو الشرقية يصبح بصورة مغايرة ولون وطعم مغايرين ..هنا استحضر مقولة شهيرة حول ما اسماه البعض “بالضعف المضاعف ” ..ذلك الانحدار يجعل من الأشياء الجميلة القادمة من عهود ضاربة في الصراع الايجابي الذي بنا وأنشأ نظما تحترم حقوق الإنسان والتمثيل ومفهوم البرلمان والحياة النيابية قراءة أخرى أكثر سطحية وتشوها .

هذه الأيام أثير موضوع تربح برلمانيين عن حزب كبير تبعه نقاش صاخب جعل رئيسة المجلس الوطني  لهذا الكيان تفتح النار على هؤلاء جميعا . بما يجعلهم أمامها وأمام الهيئة الحزبية مطالبين بتبرير ما اعتبرته الصحافة اغتناء ..يحتاج إلى  إثبات للعكس أمام وسائل الإعلام ليستقيم الرد كما جاء على لسان الرئيسة على أكثر من موقع ..

كنت أتصفح بعض المواقع العربية وأثار انتباهي عبارة اخترتها عنونا لهذا المقال ..”مكافأة نهاية العواء” . هذه التسمية لا تصلح في الحقيقة إلا كتعبير صريح عن الحياة النيابية والتشريعية بالمغرب ..لدينا مؤسسة تسمى بالبرلمان ..منذ أولى دوراتها عام 1963 -1965 بغرفتين في ظل دستور عام 1962 ، بعد إجهاض دستور عام 1908  و تجربة المجلس الاستشاري لأعوام 65-59 إلى اليوم ، مرورا بمراحل ودورات تشريعية وصلت إلي عشر دورات تكاد هذه المؤسسة تعيش اليوم أسوأ أيامها .

ارتفع عدد ممثلي الأمة إلى أكثر من 300  ومجلس المستشارين إلى أكثر من مائة عضو في دولة لها دستور وقيم ديمقراطية محدودة ؟  ليس هذا المهم . إنما الأهمية تكمن في أن تاريخ هذه المؤسسة حتى وقت قريب وبطريقة “هيتشكوكية” تبت جلساتها الشفوية  الأسبوعية.. تم هناك جلسات التصريحات الحكومية والأسئلة الشفوية الموجهة لرئيس الحكومة ..لجان تقصي الحقائق والمهام الاستطلاعية ..تعهدات الحكومة ومراقبة اللجان النيابية للعمل الحكومي ، وجلسات مناقشة قانون المالية،  وجلسات  تقديم المجلس الأعلى للحسابات.. والتقارير وتقييم السياسات العمومية والدبلوماسية البرلمانية والمؤسسات الدستورية ..وعالم من الأشياء الجميلة التي تعجبك شكلا وأنت داخل أروقة هذه المؤسسة بموقع مجلس النواب على محرك البحث كوكل ..تبهرك التجربة المغربية التي راكمت بالسنوات عدد النواب والمستشارين ، وراكمت في الجانب الأخر ثروات مهمة هي موضوع مقالنا،  وموضع الساعة التي جعلت رئيسة فريق حزب الجرار تخرج عن صمتها مطالبة البرلمانيين المعنيين بخبر الثروة تبريرها ؟

عندما كنا أطفالا صغارا كان يأخذنا حماس  تلك “الحيحة ” وتلك الشجاعة التي يمتلكها بعض هؤلاء النواب من على منصة المجلسين في الأسئلة المتعلقة بالسياسات العمومية والقضايا ذات البعدين الدبلوماسي والدستوري التي يخوضون فيها بصوت عال ..أتذكر أن وجوها غابت اليوم عن المشهد . وبعدما صرت رجلا يفهم ، كلما ذكرها الناس إلا وتناسلت أخبار من هنا وهناك بأنها كانت تتقن “العواء ” وتلقت بفضله مكافأة وأرخت ألسنتها بعد ذلك بما راكمته من المال والجاه والسلطة وراحت بعيدا وراء البحر .ذلك الذي يؤسس عبوره التاريخي  لفصيلة يعرفها البحر و معها أموال وأرقام وكنوز ..أما “الحوش ” فلا يبقى في آذانهم  سوى وقر ذلك العواء سرعان ما “يبتلعوا ” ألسنتهم مع غبائهم ، ويتذكروا كم كان البرلماني والمستشار الفلاني بارعا وهو يرد على رئيس الوزراء أو رئيس الحكومة..يبقى ذلك الشعب الذي يصوت حالما وراء زمن العواء الذي انتهى بمكافأة سمينة  ..لا يعاب هنا من كان قصده شريف وهو يرفع صوته عاليا من أجل قضية في زمن ومكان من المغرب الذي لن يكون نافعا .ذاك أجره على الله  وله حظين أو حظ إن لم يأتي ببيان .إنما هم قلة ..فلا مبرر أخلاقي  أن يجيش قلب المستمعين للجلسات الأسبوعية المتلفزة من وراء ما يدغدغ مشاعر الملايين ويتبين في الأخير أنه مجرد عواء ، وأن المكافأة هي الثروة التي تظهر بسرعة وبلا مجهود وبلا احتساب للفرق بين أن يكون برلماني “حيطاني ست”  فقير ..تم يصبح في ظرف سنوات قليلة مليارديرا وثريا .

الحالة النفسية للكثير من نواب الأمة تحتاج إلى عيادة طبيب ..فكيف لنائب يرفع صوته لعشرات الجلسات موهما الذين أرسلوه بهذا المعنى ليكون صوتهم . أن يخدعهم . أن يصبح ثريا على  حساب جراحهم ..على حساب قضاياهم ..المصيبة أنه يضرب على الطاولات ويرفع صوته . وفي الأخير يعود إليهم وكله حماس ..هل رأيتم ماذا فعلت . إلا أن هناك كواليس داخلية تلك التي تخفى على الذين ساعتها بكوا لكلماته وهو يرمي بالأوراق أو يتكلم خارج الدقائق التي انتهت بلا صوت للمكبر.  فلا يبقى بين مسامع جمهوره سوى “سينما صامتة ” .. . لا يفهمون مقاصدها إلا بعد سنوات . هناك اليوم صورة نمطية موشومة image stéréotypée tatouée  على كل الذين يمارسون السياسة وتنتدبهم أوراق الانتخابات ..في زمن قياسي لا يصدق الشعب أن من انتخبه انتهي بالمكافأة وضاعت قضاياهم الجوهرية .

أو كالذي يحدث هذه الأيام ، حينما توجه رئيس الحكومة لبائع من الفراشة من أجل شراء سروال “قندريسي” بعشرون درهما .  الصورة ليست برئية ..هي مرة أخرى لدغدغة ما تبقى من الرحمة في قلوب المفلسين من أبناء هذا الوطن الفقير. رئيس حكومة بصرف النظر عن تواضعه أو إحسانه مع البائع فهو كان رئيس حكومة . وليس عيبا أن يتوجه إلى محلات لبيع تلك السروايل بأثمنة أخرى ..إنما بعد نهاية زمن المسؤولية ابتدع طريقة أخرى للنفاذ إلى مشاعر الناس البسطاء ..وهو الذي أفقر كل الناس يوم كان رئيسا لهم وعليهم .

فمزيدا من المكافأة ، ومزيدا من كاريزما ” الخطاب ” التي لم تجب عن الأسئلة الشفوية الحقيقية للمغاربة المغلوبين إلا من خلال ما يصبح بحكم الزمن قابلا للتغيير على حساب تضحيات بالجملة روت الأرض والقبور والسجون . أما باقي التشريعات فإنها لا تمس جوهر المغاربة لأنهم وفي علاقة تكاد تقترب من” متلازمة ستوكهولم” .حينما يتعاطف الفرد مع من أساء إليه بدون الرجوع إلى الماضي بكل آهاته . جراحه ..حزنه .. مأساته ..مزيدا من المكافأة على العواء الذي ما يزال في رصيد البرلمان أن يقدمه مع أجيال وأجيال ..باقي العاطي يعطي .