افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » قضايا »  ملف / تسييس المجتمع المدني بالمغرب.

 ملف / تسييس المجتمع المدني بالمغرب.

يمكن القول أن التاريخ الفعلي للعمل الجمعوي ابتدأ مع بداية العهد الجديد ، إبان ظهور المفهوم الجديد للسلطة ،أي مع بداية القرن الحالي . ويتضح بشكل جلي أن العمل الجمعوي فيما سبق كان يخدم أجندات أخرى ، فخلال السبعينات والثمانينات ،كان المجتمع المدني يخدم الجانب الأمني فقط  ، بسبع جمعيات لا صوت يعلو على مقرراتها ، تتعامل مع قضايا المواطنين بسبعة أوجه .

عرف العهد الجديد حركة هائلة للمجتمع المدني ، ازدادت قوة مع تنزيل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005 م .حيث لم يعد المجتمع المدني صلة وصل بين السلطات  والمواطنين فقط ، بل أصبح فاعل اقتصادي مهم ،وخاصة في الأوساط التي تتصف بالهشاشة الإجتماعية المزمنة. وأضحت الجمعيات والتعاونيات تنافس المقاولات الصغرى والمتوسطة ، وتساهم في تعزيز الاقتصاد التضامني عبر توفير أنشطة مساعدة على الدخل والاستقرار .

ولعل المجهودات الجبارة التي قام بها الفاعلون الجمعويون الشرفاء النزهاء كانت بمثابة هزة أرضية حركت عروش رؤساء الأحزاب السياسية ، لأن العمل الجمعوي استغل الهوة الكبيرة التي تتوسع يوما بعد يوم ،بين برامج الأحزاب السياسية الموسمية وتطلعات المواطنين . لذلك فطن السياسيون لهذا الخطر الذي يحاول اجتثاثهم من مراعيهم الخصبة التي تجذروا فيها .الأمر الذي جعلهم يتسابقون في تأسيس الجمعيات والتعاونيات بل وحتى الفضاءات الجمعوية ، التي تخدم مصالحهم وتدافع عن برامجهم وحتى مذاهبهم .

فبعدما أحس السياسيون بسفنهم تغرق لأن رياح الإنتماء الحزبي لم تعد قادرة على دفعها ، أداروا أشرعتهم اتجاه رياح المجتمع المدني المنسابة بلا توقف ، ساعدهم في ذلك الوصوليين الذين يختبئون في ثوب العمل الجمعوي . فأبحر الجميع في الفوضى واستغلال النفوذ و المأرب الشخصية الضيقة .مبتعدين عن الغاية الأسمى للعمل الجمعوي .

التف السياسي على الجمعوي ، وجعله ميسرا في خدمته .حتى أصبح كل رجل سياسة أو منتخب له جمعيته أو جمعياته التي تروج لبرامجه وتطلعاته . فالبرلماني محاط بمجتمعه المدني ، ورئيس الجماعة له جمعياته ونشطائه  والعضو الجماعي له جمعيته أيضا ، وكل جمعية حرة نزيهة لا مكان لها بينهم . ولا دعم لها ولا مستقبل ينتظرها فإما أن تكون خادما مطيعا منبطحا أو أنك مرتد عن ملتهم .

الوضع هذا لا تستثنى منه أي جهة في وطننا الغالي ، سواء بالمدينة أو القرية ، الكل يريد أن يصبح رئيسا لجمعية ما ، أن يصبح صديقا للقائد ورئيس الجماعة الترابية بل وينتظر أن تسنح له الفرصة ليصافح العامل أو الوالي  ، الكل يريد أن تكتب عنه الجرائد ويظهر على شاشات التلفزة . الكل يريد أن يستفيد من الدعم المادي …الكل يريد أن يراه الناس …لا أحد يرغب في العمل التطوعي الخالص المبني على المواطنة الخالصة ..لا أحد يريد أن يراه الله وحده دون غيره من البشر .

لقد أصبح العمل الجمعوي وسيلة فعالة في يد السياسيين الفاشلين الذين يقودون هذا البلد إلي الهاوية .وأصبح كم هائل من  نشطاء العمل الجمعوي  لا هم لهم سوى الترصد للغنائم التي يقدمها لهم المنتخبون . فكل طرف يخدم الطرف الأخر ، والضحية المواطنون البسطاء الذين يتم حشرهم باستمرار في المساجد والمدارس ودور الأعيان من أجل انتزاع توقيعاتهم .

لقد تحول دعم الجمعيات والتعاونيات إلى مشاريع عائلية تدر أموالا طائلة على بعض العائلات ، التي تغلغلت في الأوساط الهشة وخاصة في القرى النائية . تم التحايل على النساء والصبيان ، وتقديم وعود كاذبة في أبشع مظاهر استغلال الإنسان لأخيه الإنسان .

يقال عادة أن أغلب المنتخبين ، وخاصة في العالم القروي، أميين ولا يقدرون المسؤوليات الموكلة إليهم .لكن بالنظر إلى ما يقدمونه لعائلاتهم وما يخدمون به مصالحهم ، فهم أشطر ممن هم حاصلون على أعلى الدبلومات .فهم دكاترة في نهب خيرات ومقدرات المواطنين والوطن .تم يعمدون إلى تأسيس الجمعيات ، يقحمون فيها قرويين فقراء  بسطاء إلى حد السذاجة .

كان المغاربة يتطلعون إلى المجتمع المدني كمخلص لهم مما أفسدته السياسة ، لكن وقد اتحدا معا فلا مفر . ولا يمكن لعجلة الإصلاح أن تدور في مثل هذه الأرضية المبللة بالنفاق السياسي وتواطؤ المجتمع المدني .

عبد الهادي المــــــوســـــــــولي