افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » سليدر » ملف: ظاهرة العربات المجرورة بابن جرير ..متى يتخلص الحمار من “الكروسة “؟

ملف: ظاهرة العربات المجرورة بابن جرير ..متى يتخلص الحمار من “الكروسة “؟

تنتشر اليوم بجل شوارع مدينة ابن جرير أعداد تتزايد مع الوقت مخلفة تساؤلات عميقة من قبيل :ماذا يعيد إلى الواجهة تكاثر العربات المجرورة بكل الحيوانات إلى مسرح الأحداث؟

ماذا ينتج هذه الظاهرة ؟ ماهي الحلول ؟ ولماذا فشلت التجربة الجماعية في احتواء العربات وتعويضها بالتريبورتورات وماشابه ؟

قمنا قبل أيام بالاشتغال على عينة من ممارسي مهنة “تكرارسيت “. سألناهم عن الأسباب التي تجعل العربات تنتشر بكل أحياء المدينة ؟ الإجابات اختلفت، إنما تعطي نتائج يمكن تعميمها .

بعضهم اعتبرها الوسيلة الوحيدة لإعالة أسرة قذفها الفقر من العالم القروي في غياب فرصة شغل قارة .

أجوبة أخرى تناولت غياب مهنة  يتقنها أرباب تلك العربات ، وغياب رؤية مستقبلية يمكنها أن تحول دون تواجد بهيمة في حي سكني بالمركز الحضري ابن جرير.

وآخرون وهم شباب وأطفال اعتبروا الأمر “مهني ” ويجني أرباحا تتفاوت؟؟ ومعظمها يلبي رغبات شخصية وأخرى أسرية .

إنما في الغالب وجدنا أن استعمال “العربة ” أكانت مدفوعة باليد، أو مجرورة بحمار أو باقي الحيوانات ليست ثرفا للعبور بين الشوارع ، بل إن الأغلبية اعتبرت الأمر مهين ..إنما ليس بين العدو من الأمام والبحر من الخلف إلا “المخاطرة “بالصورة والكرامة في غياب حلول .

في الطرف الأخر لم نتحرك لطرح سؤال ..كانت التجربة الجماعية الراهنة ومن سبقتها قد ابتكرت فكرة تعويض العربات المجرورة بدراجات نارية ثلاثية العجلات . الإبداع فشل مبكرا ولم يقدم حلولا ميدانية .وكان لزاما علينا الكشف لماذا ؟

مصيبة العجلات الثلاثية أو ما يعرف بدراجات “الشينوا ” فيه ما بين التأمين والامتلاك عقبات مسطرية ، وفيه ما بين جولان اليوم إلى المغيب ما يعني بالنسبة للذين جربوا الاشتغال على هذا النحو ألف “اعتراض ” ، فعائدات العربة المجرورة كبيرة وغير مكلفة ، دابة تأكل شعيرا ولها مربط في أي مكان من الحي، ولا يعيق بالسبة لهؤلاء أيا كان !! وتكاليف العربة بالدابة زهيدة . أما الدراجة الثلاثية العجلات فكلها تكاليف، بالإضافة إلى خسائر الإصلاح والبنزين، وعدم قدرتها على حمل المتاع والأشخاص بحكم القانون ، وبالتالي فضل الكثيرون العودة إلى “عادة ” حليمة أو عادت حليمة إلى عادتها ..

في كل هذا التباين بين الرغبة التي مارسها المجلس الجماعي للحد من المشكل ، وبين الرغبات المختلفة للذين سواء باعوا تلك المركبات الثلاثية أو تصرفوا فيها بشكل ما ضاعت الحقيقة ..حقيقة ماذا جرى في الأصل ؟ كيف اجتمع الطرفان ؟ وكيف تم إقناع واقتناع جهة دون البحث في الظاهرة جذريا ومعالجتها بالمرة .

فالعربات المجرورة بالحمير والدواب بابن جرير تعود إلى عقود خلت ، وتعايشت مع الوسط الشبه قروية إلى أن صارت ابن جرير اليوم بمفهوم “اجتماعي ” مركزا حضريا Centre urbain وليست مدينة ،  وبالتالي لم يستطع أحد أن ينتج أسلوبا مختلفا لإيجاد إجابات شافية حول كيفية القضاء على وجه من أوجه “الفوضى ” الاجتماعية؟  قبل الحديث عن” الوجه المجالي” وصورة المدينة محليا ووطنيا ، فقد كانت جرائد يمر مراسليها ويأخذون صورة حمار وعربة وتنشر على نطاق واسع وطنيا كتعبير على ممارسة محلية صار لها وجه إعلامي وطنيا بشكل قدحي وفج.

العربات المجرورة أصحابها محتاجون ، وافدون من القرى ، معوزون ، فقراء ، مستضعفون ، وبعضهم طبعا شباب يدرسون ويحتاجون إلى المال ، وآخرون مرضى يحتاجون إلى جهود أبنائهم في المساء ، وهناك عشرات القصص . إنما القاسم المشترك أن أغلبهم يريد تغيير المهنة ولم يستطع لأنه ليس هناك بديل .

الوجه الأخر لشرعية تواجد تلك العربات مرتبط بأسلوب حياة جزء من الساكنة، التي تعودت ركوب تلك العربات، التي تحمل كل الأغراض وبأثمنة بخسة، وتجوب شمال المدينة إلى جنوبها ، في غياب القدرة الشرائية والإنفاق على المتاع، وإيجاد وسيلة أخرى للنقل وشحن البضائع التي يبقى سوق ابن جرير رقمها الكبير .

فالسوق الأسبوعي ارتبطت به الظاهرة التي يراها كثيرون بأنها “بنيوية ” ، تحتاج إلى تفكيك أكثر وصولا إلى من صنع أول عربة مجرورة؟ ولفائدة من؟ وما الغاية التي صنعت من أجلها يومها ؟

الأجوبة لا تتوفر سوى أن الرأي الثابت توقع أن سوق ابن جرير أو يوم الثلاثاء قد أشر على التنزيل “البراغماتي ” للذين يريدون أن يحملوا متاعا ومن هو بإمكانه توفير تلك “الخدمة ” ، فتمازج هذا بذاك .

في كل هذه الرؤية تضيع الإجابات الشافية التي يبقى معظمها “راكن ” إلى أن ابن جرير كمركز حضري لا يزال لم يجب بحكم “الأقدار ” والتاريخ والتحولات عن كيف يمكن صناعة مصير مغاير للناس هنا ؟

وبين الرغبة في أن يعيش أرباب العربات المجرورة في مجال جغرافي يرتب لهم الإمكانية للشعور “بالكرامة ” ، والتنازل بالمرة عن عربات دون البحث عن عرض في دراجة أو سواها ، يبدأ البحث حول من أين سنقضي على الظاهرة ؟

ترى عينة من المستجوبين بشكل “تلقائي ” أن هناك الوافدون “المياومون ” على ابن جرير من جهات مختلفة، وهناك الذين انتزعت من بعضهم الأراضي لفائدة قطاع معين وهم قلة ، وهناك ضيق الأفق بالبوادي والقرى الرحمانية ،وغياب ضمانات بها لعائلات “منكوبة ” اجتماعيا ،تتعدد وتتكاثر ويغادر أفرادها إلى المدن لخلق أسر نووية حالها ميؤس منه ولا يتغير بسرعة، وبالتالي في غياب بوادر “ميكانيكية ” وعملية للشغل تبقى الآلية الوحيدة التي يمكنها أن تجر كسبا هي العربة. بمنطق أن الذي سيسوقها من المفروض أن يعرف متطلبات حمار أو بغل أو أي دابة .

في هذا السياق هل سنعيد الحمار بالإرغام إلى السوق أو إلى نيل حريته والرجوع إلى البداوة ؟ أم هل سنقوم بتوعية لا تستجيب للحاجة الملحة إلى المال ؟ وهل بتغييب العربات المجرورة سنقضي على الظاهرة التي يرتبط جزء مهم من السكان بخدماتها ؟

أم هل سنعود إلى العالم القروي لصناعة الثروة واقتسامها وإعطاء ضمانة بالمستقبل تتعلق هي كذلك في الحالة المغربية بالأحوال المناخية وما إلى ذلك ؟

يرى جزء مهم من أصحاب الرأي أن القطاع القادر على خلق “الثروة ” بالرحامنة وتخليص جزء مهم من ساكنيها من العتمة إلى النور هو قطاع الفوسفاط .

بمعنى أخر، وهذا رأي بعض مهندسي التنمية أن قطاع الفوسفاط يجب أن يمسح ما أسموه La suppression d’écart  عوض La création d’écart  .

قد تتطور كل الأشياء الجميلة بالرحامنة ، وتنشط الأندية والمجتمع المدني والفنون وباقي أدوات” التنفيس الاجتماعية “، إنما عصب التنمية يخلق” التحولات الجوهرية” في المجتمعات ، وينتج الحل “العميق ” للاستجابة إلى مشاركة المجتمعات التي تصبح مجتمعات “سائلة “. متحركة منتجة من تلقاء ذاتها بفعل ما توفر لديها من الحلول، وما توفر في جيوبها من النقد والثروة التي يساهمون في إنعاشها والنظرة إلى المستقبل من خلالها بتفاؤل أكبر .