افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » أراء » ملهاة سخيفة طالت أكثر من اللازم.

ملهاة سخيفة طالت أكثر من اللازم.

 

بقلم :عبد الإله العتوبي.

عندما ترى الجلاد وقد تحول إلى ضحية والضحية ينظف له سياطه من أثار الدماء,عندما تصبح الرداءة موهبة والكفاءة خطيئة,عندما ترى الكذابين والمنافقين يتولون إلقاء العظات والدروس على أسماع النزيهين,عندما تصبح السرقة شجاعة والعفة ضعف
,عندما ترى السياسة وقد تحولت إلى عبث,ومطالب الناس تقابل بالقمع في الشوارع,وأصواتهم يتم خنقها حتى لا يصل أنينها إلى الأسماع,يساورك فجأة سأم عميق ومفاجئ من كل شيء.
فجأة تسأم نفسك وعملك ونجاحك,تريد أن ترجع خطوات إلى الوراء,أن تعود ذلك المواطن النكرة الذي كنته ذات وقت.تتجول في الشوارع دون أن ينتبه إليك احد.تجلس على رصيف أول مقهى تصادفه دون أن يأتي أشخاص لا تعرفهم يصافحونك ويجلسون ليقاسموك طاولتك,ويحكون لك قصص حياتهم بالتتابع.
تتمنى أن تسترجع صورتك الضائعة,حيث ملامحك الطبيعية الأولى الهادئة الخالية من التوتروالغضب,أن تعود إلى أصدقائك القدامى الذين تقاسمت معهم الأقسام الباردة في الثانوية,والشعارات الصاخبة في الجامعة,وقصص الحب الفاشلة على العتبات الأولى للحياة.
فجأة يساورك سأم جارف من جلسات النفاق الاجتماعي التي يدعوك إليها أشخاص تافهون يعتقدون أنفسهم مهمين بالنسبة للعالم.
تشتاق إلى جلسات المساء فوق ربوة في ضواحي المدينة,تراقب أسراب الطيور وهي تعود إلى أعشاشها لتطعم صغارها,تشتاق إلى رؤية الأفق ملطخا بحمرة الغسق والشمس المتمايلة إلى الغروب,قبل أن تعود إلى البيت لتأكل خبز الأم المدهون بالسمن وتجلس إلى حضن الجدة لتحكي لك حكاية الغولة التي أكلت أبناءها.
يحدث أن تتعب من اسمك,وتتمنى أن يكون لك اسم أخر لا يثير الانتباه عندما ينادي عليك به احدهم.تتعب من اهتمام الناس الزائد بك,وتحتاج أحيانا إلى أن يعاملك الآخرون كأي نكرة,باحترام اقل وكلمات خالية من الأدب.
تتمنى أن تعود كما كنت في السابق,أن تستيقظ في الصباح وتجمع ثيابك القليلة في حقيبة ظهرك وتأخذ القطار إلى مدينة لا تعرف فيها أحدا.مدينة تنام فيها بعد الظهر في قاعة السينما وفي الليل تنام في المحطة الطرقية,وعندما يأتي الصباح تتناول قهوتك مع عمال النظافة في المقاهي الحقيرة.ولا احد هناك ليسأل عنك في الهاتف,ولا عمل ينتظرك في مكان ما,لا رسائل الكترونية تنتظر إجاباتك ولا دعوات كريمة تنتظر ان تلبيها.
أحيانا يساورك سأم عميق من وطنك,وتتمنى فقط أن تشتري تذكرة ذهاب بلا إياب إلى وطن أخر,وبمجرد ما تصل وتضع حقيبتك تبحث لك عن امرأة تتزوجها وتنجب أطفالا وتصبح لك جنسية أخرى لا تثير الشبهات,وجيران آخرين لا يثيرون أعصابك كل يوم برمي أعقاب سجائرهم فوق ثيابك المنشورة فوق حبل الغسيل.
تسأم من هؤلاء السياسيين البليدين جدا والأنانيين جدا والأميين أحيانا,والذين يدعون دائما تمثيلنا ويأخذون الكلمة دائما بأسمائنا في كل المناسبات.تتمنى أن تستريح من رؤية وجوههم السمينة والمملة التي قضينا حياتنا السابقة مضطرين إلى تحملها في الجرائد والتلفزيون والجامعات والمقرات الحزبية والنقابية.
تسأم من اليمين المنافق واليسار المخادع والوسط المتواطئ,وتتمنى لو انك في جزيرة بعيدة بلا أحزاب,بلا برلمان,بلا حكومة.تعيش على السمك وحبات الجوز ومياه الينابيع,بلا شعارات بلا برامج بلا أكاذيب.
تتمنى أن تقضي وقتك في قراءة الخطوط على راحة كفك عوض قراءة عناوين الأخبار في الجرائد,وفي عد النجوم بالليل عوض عد الأيام التي تفصلك عن موعد تسلم راتبك.
تسأم العودة المتعبة في المساء إلى نفس البيت,وتسأم جلستك كل ليلة جنب رف الكتب نفسها,وتسام الساعات الطويلة بهاتفك المحمول فوق أذنك متحدثا إلى الأشخاص أنفسهم حول المواضيع نفسها.وتتمنى أن تعيش بقية عمرك بلا تغطية حتى لا يفلح احد في الاتصال بك,وبلا عنوان تابت حتى تضيع الرسائل وراءك إلى الأبد.
تتعب من الأوراق وأقلام الحبر ورسائل الغرباء,وتتمنى أن تهيم على وجهك في الغابات تكتب أسماء النساء اللواتي أحببت بغصن فوق التراب الطري وتتأمل كلمات الحب والقلوب المحطمة التي يرسمها العشاق على جذوع الأشجار.
تسأم المدينة المتسخة وشوارعها القذرة المزدحمة بالمارة العجولين,وتسام زعيق أبواق السيارات المجنونة,وتتمنى أن تعود إلى الجبل حيث عاش أجدادك قبل مئات السنين.هناك حيث أشجار الزيتون وحقول الشيح هي كل ثروتهم على هذه الأرض بالإضافة طبعا إلى كرامتهم.
تسأم من رؤية كل تلك الجيوش من العاطلين والمتسولين والأطفال الضائعين في الشوارع,كل أولئك الفتيات مكسورات الجناح الجالسات في المقاهي بانتظار من يشتري منهن لحمهن الطري.يصيبك القرف من رؤية مبنى البرلمان محايدا وصامتا وبلا معنى وسط العاصمة.
تشعر بالغضب وأنت ترى الحكومة مرتبكة والمعارضة مقطوعة اللسان والجميع متفق على احتراف الصمت مهنة أبدية.
وتتمنى أن تكون لديك عصا سحرية لتضرب بها رؤوس كل هؤلاء وتحول البرلمان إلى مكان يتشاجر فيه النواب دفاعا عنا عوض أن يناموا.وتضرب بها رأس الحكومة فيتحول وزراءها إلى شخصيات حكومية عوض أن يبقى بعضهم مجرد شخصيات بهلوانية تمثل في مسلسل هزلي لا يضحك أحدا.
تسام التلفزيون ومذيعيه السخيفين الذين يبتسمون ببلاهة ويضحكون بلا مناسبة.
تسأم برامجه التي تصيب بالضغط الدموي والانهيار العصبي,وتتمنى لو انك تفرغ الجهاز من أسلاكه وتحوله إلى أكواريوم تربي فيه الأسماك,بدل رؤية هؤلاء المذيعين يربون المواطنين يوميا على البلادة.
تسأم المظلومين و شكواهم التي لا تنقطع,الدولة وحماقاتها,تسأم الأغنياء وعجرفتهم,وتسام الفقراء وكثرة بكائهم.
تسام المقاهي وجلساتها,مقرات العمل ووشاته وشواويطه,الجيران وضوضاء أطفالهم,البيت ورائحة الأحباب الذين غابو عنه.
تسأم الشارع وأشجاره التي يتبول على جذوعها السكارى في أخر الليل.
تسأم التاكسي وسائقه الذي يريد التحدث في كل شيء.
تسأم الشعب الذي يريد كل شيء ولا يريد بالمقابل أن يضحي بأي شيء.
تسأم رؤية كل هذا الظلم دون أن تكون قادرا على فعل أي شيء لصالح المظلومين,وهذا المنكر دون أن تكون قادرا على تغييره,وهذا اللعب بمصائر الناس دون أن تكون قادرا على إطلاق صفارة إنذار لإعلان نهاية هذه الملهاة السخيفة التي طالت أكثر من اللازم.