افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » ميركل إمرأة من ألمانيا.

ميركل إمرأة من ألمانيا.

بقلم : صبري يوسف .

خلقت هذه السيدة الألمانية حديثا لا يتوقف ..جعلت الشرق والغرب يدخلان في سجال حولها ..جعلت حتى الذين هم أكثر انغلاقا يعيدون حسابات الحاضر، وإعادة قراءة الراهن بعيون الماضي .. المرأة الألمانية حتى لا يقال “الحديدية” لأنه إحالة غير منسجمة مع تسيير بلد نحو الرفاهية   . وإنما المرأة التي غزت القلوب في هذا التاريخ رحمة وإصلاحا وتسامحا قل نظيره ..

هدوء وسكون ، رؤية للمستقبل بعيون لا يعلوها الرماد..ال”SOCIAL MEDIA  ” ومواقع التواصل امتلأت بالإطراء على السيدة بصدق وبدون بهارات صباغة.

رأت ميركل النور عام 1954 ..حاصلة على دكتوراه في الفيزياء ،اشتغلت باحثة في مجال اختصاصها ..لتدخل غمار السياسة عام 1989 .بعد توحيد ألمانيا عام 1990 انتخبت عضو مجلس النواب الاتحادي “البوندستاغ ”  عن ولاية “مكلنبورغ” . وأعيد انتخابها منذ ذلك الحين على كل الفترات إلى حدود أن أصبحت المستشارة الألمانية عام 2005 عن حزبها الاتحاد الديمقراطي المسيحي . لنتخيل سيدة بهذا الإرث السياسي التصاعدي إلى غاية الأحد الماضي الذي فازت بانتخاباته مرة أخرى وتصبح في تاريخ ألمانيا والديمقراطيات الأوروبية أكثر شخصية من جنس المرأة تحصد هذا الاهتمام وتلك الشعبية ، وتصنفها كأقوى امرأة في العالم و”مستشارة العالم الحر” .البلدان التي تحترم نفسها يقبل فيها الرجال بتميز المرأة بدون عقد ولا مركب نقص ، فقط على قدر ما يمكن للرجل والمرأة على حد السواء تحقيقه .وليس بالنظر إلى (الأسفل) أو البنية والشكل وبعض ما يقف عنده دعاة الظلام تمييزا وتفضيلا..إنهم صراحة يذيبوننا كل يوم كما تذوب الجبال الراسية من حرارة الشمس بأفعالهم السلمية وجوهر الإنسان الخاضع لسلطة الضمير الحي المنفرد بالعقل الفعال الايجابي فقط.

 

نحن حقيقة أمام كتاب كبير يغلبنا كيف نقرأه . لأن كل النظريات التي عالجت واعتكفت عن دراسة علم السياسة ، علاقة المرأة بالسياسة ، علاقة المرأة بأداة الحكم ، بالريادة وبالاستحقاق ، بكل ذلك أدحضتها ميركل ..فليس مهما أن تكون عالما أو باحثا أو أكاديميا لتحكم بلدا ، وليس مهما أن تكون شابا أو دو الستين عاما ، كما ليس مهما أن تكون طويلا أو قصيرا ..كنت فقيرا أو غنيا . إنما في حالة ميركل بات مهما إعادة جدولة الكثير من المسلمات بخصوص حكم المرأة حتى في الاعتقاد الأوروبي ، الذي أظهر الحرية بشكل واضح من تاريخه اتجاه المرأة.  إلا أن تحكم بلدا بهذه الصورة المغايرة لإرث مارغريت تاتشر ببريطانيا ونماذج نادرة وحدها ميركل المتفردة وسط ذهول الجميع من حولها أعداء وأصدقاء . فالولايات المتحدة الأمريكية لغاية اليوم لم تستطع بكل ما تملكه من ترسانة  حقوقية منح امرأة فرصة ريادة بلد تقلد فيه الرجال لأكثر من 45 رئيسا مقاليد بلد ولا امرأة بينهم ، قبل ميركل علم الاجتماع يجب أن يبحث عن قيمة الفرد الألماني ..خصائصه ، تفاعله ، مزاجه .قبل ميركل هناك ألمانيا الاتحادية برلين بون وتاريخ من اللحظات التي ورثت مفاهيم يحتاجها الأوروبيون أنفسهم،  أما نحن فخارج “الصندوق ” صندوق القيم المضافة .لما بعد تاريخ الديمقراطية الذي بينا وبينه ألف عام ..

من حسن حظنا أن عربة التاريخ تمشي وتفاجئنا كل مرة بشيء يخرج من العربة ويقفز منها ليصنع أمام أعيننا المعجزات  كقبعة الساحر..حتى التاريخ الأوروبي لم يكن في كل مراحله ينذر بأن امرأة ستملأ هذا الحيز الجيوسياسي والجغرافي والاستراتيجي بكل تحولاته ، وأن امرأة ستكون فاعلا في مهد الإنسانية الديمقراطي بأوروبا .

ليس المناسبة بالنسبة لنا نحن في الشرق أو غيرنا سامحة بتفصيل أو تحليل ما يصعب التنبؤ بحدوثه قطعا لأنه ليس في متناولنا  . امرأة من ألمانيا بصرف النظر عن كونها عالمة أو غيره مما يدخل في هويتها الشخصية،  وإنما نجاحها الذي برر الكثير من الأفكار . وحان الوقت كما جاء على كثير من الألسنة وأد مجموعة من البنيات الفكرية أو مراجعتها بالشكل والمضمون والآليات  الخاضعة للعلم .

بالنسبة لنا يجب أن ننظر ..أن نتمنى ونشتهي في المستقبل ما عجز عنه الرجال .. حتى إدارة الانتخابات عندنا هي موضع سؤال ، البرلمان موضع سؤال ، الصمت موضع سؤال ، الهدوء والاحترام والمنافسة الشريفة موضع سؤال ، زمن إعلان نتائج الانتخابات موضع سؤال ، ميركل وشولتز موضع سؤال،  لم تنعت ميركل غريمها ولم ينعتها بكونها امرأة أو ما سواه من القبح ، ميركل معجزة قرن بعيدة عن مفهوم البرقوق والدجاج .. عن عطف الملايين  بالإساءة لهم ، وبوضع الأمل في “السروال ” القندريسي مع إفقار المغاربة لثمان سنين عجاف .. بعيدة عن “مهادرات ” برلمان بلياليه الطويلة وساعاته التي سمعت فيها الآذان لغوا وقبحا وكلاما ساقطا بدون حكمة يخرج من أفواه شاخت ورؤوس شابت ..وشعب يقبر يوما عن يوم ، تستحي أن تقول أنك لو عجنت الكثيرين لا يمدونك بوصفة لبناء اقتصاد قوي ومستقبل ينهض من بين مخلفات الحروب التي أغضبت هتلر فيها” معاهدة فرساي” يوما.  بحكم أنه ألماني ليس قلبه ميتا رغم فداحة ما فعل من بعد ذلك على كل حال.

ألمانيا تعيش رفاهية بدون ريع  ولا فساد ولا أي منهما . بين 1990 إلى اليوم استطاعت السيدة في قوة بلدها أن تحمي الهاربين من عذاب الشرق ،قسوة الشرق وظلمات الشرق الثائر منذ زمن .

ذلك الشرق الذي ما يزال يناقش رخصة قيادة السيارة  بالنسبة لامرأة ” ناقصة عقل “… ؟ تلك الرؤية الضيقة المغلفة جيدا بحرمة الزنى في العلن وممارستها في الخفاء مثال فقط ،  تلك الأفكار التي دفعت طه حسين وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبد  ومثقفي مصر  والنهضة العربية  وكل المتنورين لغاية اليوم بالإعجاب بذلك الغرب .  بدياره وبشوارعه ،شواطئه مدنه أريافه ، ساعاته سيارته ولغته ومدارسه ومستشفياته ..كلابه.. قططه كل شيء يقفز إلى هناك  يصبح بقيمته التي افتقدها في الشرق ، ولو كان متوحشا كوحشة الإنسان لأسلافه يستقيم حاله بين أيديهم .هم الذين مدوا أرجلهم على كل الوجود بحس “غرائبي ” كلف الأمويين مع عبد الرحمن موسى ابن نصير وعقبة ابن نافع الفهري القرشي منذ الأزمنة القديمة إلى الخوض نحو الغرب ومنه إلى الشمال ..كان الإحساس دفينا بأن ذلك الشمال يمتلك سحرا لن تجود بألحانه كل المشارق والمغارب مهما زاد الزمان انتصارا للوقت والأيام كي تطول حتى تطول .