افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » نهاية حزب الاستقلال.

نهاية حزب الاستقلال.

بقلم صبري يوسف .

تابعنا أطوار المؤتمر السابع عشر لحزب عتيد وعريق اسمه حزب الاستقلال ،من يعتبر الاستقلال عاد إلى بيته وأهله فهو واهن . ومن يعتبر الحزب الأعرق خرج من حالة الشرود والتيه واهم . لا تنظروا في الجزء المليان من الكأس ، خذوا وقتكم وتمعنوا جيدا للغة القادمة من أعماقكم . الاستقلال بعد شباط سيعيش الأسوأ ، ليس لأن شباط رقما مهما في حزب كبير ، ولكن كان عليه أن يصعد لسدة الأمين العام مع الأيام ..

على كل ، حالة الاحتقان إبان المؤتمر مسألة عادية ، فالمشكل ليس في المقرات ولا في فروع الأقاليم ولا المؤتمرين ، المصيبة في طبيخ هيئ جيدا وفي الأخير لم ينتبه فريق المطبخ أن مقوما لم يتم إدخاله في الوصفة فتغير مذاق الوجبة بالكامل ،إنه ضمير الحزب.

الذي حدث في الاستقلال يشبه سقوط الأندلس ، لا يحتاج هذا الحزب إلا لأبي البقاء الرندي الجديد يرثي حاله . فعلال لم يعد موجودا ، وأثاره الخالدة التي لا تموت لم يرجع إليها أحد ، ومحمد بوستة أخر القلاع التي كانت تقف شامخة كمنارة كلما تاهت السفن التي تمخر عباب البحر تنير طريق الملاحين للاهتداء إليها ..يسكنوا إليها وقاية من بحر متلاطم يجر كل شيء إلى القاع بلا مراجعة للموت .هناك قاعدة مهمة اؤمن بها وهو أن كل شيء لا يقال . ولا يمكنه أن يقال من باب التقية والاحتراز ..

المؤتمرات والمؤتمرين أكلوا طعاما ، تراشقوا ورجعوا إلى المغرب العميق يرددون نشيد الحزب بالداخل مع جوقة الشرف النائمة في الضمير” الغاضب” ..لقد انقسموا قسمين وهو ما لم يكن موجودا طيلة عقود ، ستقول لي تدبير الاختلاف فرض ذلك، سأرد عليك بأن الكيانات السياسية لا تنشق ولا ينبغي لها .

فالأحزاب كالأخ الأكبرthe big brother تلجأ إليه يوميا في عالم مليء بالشدائد ، ليس هذا الأخ من أجل الطوارئ ، بل من أجل أن تستعيد عافيتك إذا مرضت بفضله ، أن تتخلص من الأعباء النفسية بفضله ، أن تتعلم بفضله ، وأن تجد لك طريقا سليما لبناء مجدك الفردي وتكون عقدة في سلسلة طويلة متينة لا تنفصم أيا منها ، الأخ الأكبر هو الحزب،  لا تغفل عينه عنك كل حين ..في التعب والقوة ، يفرح لعنفوانك ويغضب لقسوة الأيام عليك  ويحمل ما جار منها إلى الثلث الخالي .لقد اختارت يوما تلك الأحزاب اسم “الأحزاب الوطنية ” قناعة وليست مهادنة للغة ومداهنة شعب، واللغة حمولة تاريخية وثقافية وسياسية واجتماعية وليس هراءا..عودوا إلى هايدغر وهيكل وميلان كونديرا ..

حزب الاستقلال انقسم فيه مناضلوه بينما حلوا بمؤتمره ، وقل جاؤوا من قراهم ومدنهم منقسمين . ولكن على ماذا هم مصرون حول الانقسام ؟؟ ستجد الجواب نادرا بحكم أن تبرير ذلك لا يتوفر للجميع،  ولكن يجب أن يتوفر الجزء الأساسي من الإجابة الصحيحة المشروعة  حول دواعي أن أكون في تيار فلان عوض علان .

الانقسام كان عموديا وأصبح في وقت ما أفقيا ، الكبار من يفعلون ذلك ، تلهيهم مصالحهم ومراكزهم عن حشد الصغار حول فكرة الأخ الأكبر ، إنما يكون الحشد هنا من أجل قتل (يوسف )، والإبقاء على الشلة التي يعدها الخروج السليم من المؤتمر بكنوز  مصر..هنا تكون سوء النيات مبررا بالإضافة إلى الاجتهاد.  ليسقط الأخ الأكبر في التوزيع الغير العادل للأفكار الموروثة بصواب الرهان على أخ لا يجدر أن يغدر ببقية إخوته الصغار ورثة أمر واقع لا يعلو شأنه على حاجب العين .

ولأن علال لا يوجد وبوستة لم يعد موجودا ، ولأن الحكمة والتبصر طارت ، صار الانقسام المشفوع والمشرعن بقيم أخرى تغلفها أفعال سادت في المشهد الحزبي العام بالمغرب هي الغاية ، وليس غايات علال في نقده الذاتي الذي بمجر أن تقرأه وتنهيه تشعر بأن علال الفاسي مع كل الذين ورثوا حزب الاستقلال من بعده غير قادرين على وضع أسمائهم في خانة بجواره ، أحيانا من العار أن توضع على ملصقات أسماء ووجوه أمناء عامين جوار علال ، الرجل “أيقونة ” بالمعنى السامي للأخ الأكبر الموجه ، الرحيم والحليم ، المشدود بقضايا الأمة ، العالم والعارف ، الملهم الحليم ، الصاحي الضمير ، إن الذين تراشقوا ذلك اليوم بمؤتمرهم كان عليهم أن يجعلوه مؤتمرا لقراءة كتاب النقد الذاتي بصوت عال وشرحه لجميع الاستقلاليين.  كي يشعر الذين هم بعيدون بطبيعة الحال عن معاني ومغزى أن تكون استقلاليا ” بالخجل . لي اليقين أن الكثيرين سيخرجون من الباب معترفين بأن بينهم وظاهر وباطن أفكار علال مليون كيلومتر …وأن التربية الروحية والنفسية والحركية لهذا الوطني غائبة ، وملأ عوضها تجريب أخر لقيم استهلاكية جديدة تعترف بالربح عوض الأفكار التي تبني وتؤثر ..

فالبرغماتية والضعف المضاعف الذي تحشده السنوات التي تصبح بعيدة عن المنبع تفعل فعلتها في تحوير كل النبوءات عن قدسية خطابها الإصلاحي المتجدد من خلال الورثة العارفين والعالمين بحوزة من خلفهم على أصل من أصول الفكر الإنساني الباني  . هكذا هو العالم يتغير ولا يحافظ الورثة على حزمة دفاتر ورؤى الأخ الأكبر الأصلح والأفضل ..تلك صيرورة الدنيا إنما هي في حالة الاستقلال صيرورة سلبية اليوم .

وفي الأخير، فإن صعود نزار بركة بأي شكل من الأشكال الديمقراطية أو المتفاهم عليها ، وظهور وجوه جديدة في هذا الكيان ، يحث الذين في جوفهم رأي سليم إلى مغادرة السياسة لأن الأسوأ هو القادم وليس الصواب ..أليس واضحا أنه طيلة عقود من بعد علال باستثناء المواقف التي عبر عنها بوستة ، لم ينتج أبناء هذا الكيان على غرار أخيهم الأكبر علال ، دراسات وأبحاث وقيما مكتوبة لتأكيد حضور “المخ”  أو ” المادة الدسمة” التي هي الفكر عوض القفز من كل المنافذ من أجل قتل هذا الكيان بأيديهم ، الذي بمجرد أن يضيع ستضيع بوصلة المشي السليم في مغرب يحتاج فيه السياسيون إلى إنتاج القيم، والى المساءلة الأدبية والأخلاقية قبل المحاسبة المادية.  فعلال كباقي الكبار لم يترك مالا ليقتسمه أحد،  بل ترك إرث آب ينفع الأجيال القادمة لبناء وتشييد الوطن .فالاستقلال وباقي الكيانات للمغاربة وليس لأي كان ملكية بسند أو غيره .حتى نشيد الحزب بات يعيش الاغتراب ..يقرؤونه ولا تعدو الصيغ كونها قاموس عبارات باتت جافة.  بينما إنتاجها كان مخاضا عسيرا مشتركا ومتجانسا يأكل بعضه بعضا بحرقة تدارك ما ضاع مع زمن الاستعمار ،و يمتص من الجسد لفائدة العبارات …الاستقلال انتهى ليس لأن الكراسي والصحون تبادلها الإخوة فيما بينهم ..لا . وإنما الاستقلال انتهى لأنه لم يجلس إلى الأرض ، ولأن الصورة الراهنة تمنحك الاستفهام على الكثير من ألوانها وخيالاتها ورجالاتها بداخل cadre الصورة …