افتتاحية

  • وداعا قراءنا الأعزاء.

    بقلم : صبري يوسف . لم يعد هناك متسع من الوقت للبحث عن الذات في مهنة الانتساب إليها يتطلب جهدا كبيرا ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » نهاية عام وبداية عام .

نهاية عام وبداية عام .

بقلم : صبري يوسف.

إقتربنا من توديع العام 2018 ..سنة سترمي بنا إلى أخرى ، إلى مقادير وغايات وأهداف بعضها حدد سلفا وأخرى هي في تعداد الغيبيات ..الغير معروفة .

ونحن نودع هذه السنة يقف كل واحد منا على عتبة الأبواب التي ستغلق والأخرى التي ستفتح ليقرأ الماضي القريب ، أو ليقوم بحساب التاريخ كله من سنوات تمر كالسحاب ..

ستختلف طبعا المناهج والكيفية والتقييمات للذي سيصبح من الماضي بعد أيام ،بعضنا سيكون ممتنا بما حققه في حياته كفرد داخل أسرة أو عائلة ممتدة الأطراف ، وبعضنا الأخر سيكون كئيبا لما ذاقه من الألم والهجران ، وآخرون سيكونون بين المنزلتين ..وهناك طبعا الذين ربحوا من سنة فانية لن تعود ، وهناك الخاسرون ..هناك من سيعذبهم ضميرهم على ما انبلج من بين أيديهم وكان بالإمكان ..؟ ستتعدد المشاعر والوشائج اتجاه عام قيمته أنه عبر بشهور وأيام وساعات ودقائق ..طالت عند البعض وتسارعت لدى آخرين ..حزن فيها قوم وغضبت أقوام ..جاع فيها الكثيرون وماتوا بأشكال مختلفة ،فللموت أجناس من الموت..ضاقت ببشر واتسعت على فريق ، أمهلت أفرادا وأسرعت بآخرين..رحمت أناسا وأهملت فرقا ..ستتعدد وجهات النظر وطبعا سيغيب الذين لم يعد لهم رأي إلى يوم الدين في اللقاء الأخير..

في هذا العالم الذي تصارعت فيه الفلسفات بعضها مثالي وأخرى عقلانية ..وحده الزمن لم يمهل الجميع إلى أن يحسموا في تعريفه ، الأيام تسوق الفلاسفة والعظماء والجبناء والمجرمين والدروايش والضعفاء والأقوياء إلى النهاية مستسلمين ..يدفع طبعا الوقت والزمن بعضه بعضا ليقوم بإدراج أسماء كل عام ،من أجل أن تصبح أخبارا، تم مجرد ذكريات فقط ..ذكريات آباء وأمهات وإخوة وأخوات غادروا تاركين وراءهم أحفادا وأبناء وعوائل ومقادير ..إنما يذكر المرء فينا ويختم على سيرته كما تختم كل الأشياء الجديدة بلاصق ورقي أو سدادة ..يذكر الفرد بين أقربائه وعشيرته وقومه ووطنه والأمة الإنسانية جمعاء بما ترك ..وهنا مربط كل الفرسان .

نحن نمضي إلى نهاية لا بد منها ، ووفق هذه الطبيعة الكونية التي لم تعدل من الموت حتى مع وجود الإنسان برأي “أنتوني غيدنز” عالم الاجتماع البريطاني ..الذي يقول بأن عمر الإنسان على الأرض هو 100 ألف عام ، في هذا الرقم إن كان صحيحا لم يخلد ولا جسد واحد ..إنما بقيت الأفعال تلك التي ننتبه إليها منذ ما بين الزمن “اليوناني “..إلى الكسندر المقدوني وعبوره نحو الشرق ..إلى نهضة ذلك الشرق ليصبح في الغرب غازيا باسم ثقافة أخرى تراعي الحدود ..وأي حدود تلك؟ .. .إلى ما هنالك من تهالك بعض الحضارات ووقوف أخرى على أرجلها ..في هذا المضمار تخلد فقط تلك “البقع البيضاء” ..تلك الأفعال الصادرة عن الفرد بعقل خالص أو بعقل عملي على رأي كانط ،الذي اختصره في الواجب Le devoir  معتبرا الأخلاق هي كل شيء.

في كل هذه السنون تبقى تلك اللحظات تغزونا من الذكريات الجميلة ، للذين أحببناهم ، وأحبونا ، أكانوا كبارا أو صغارا ،مرموقين أو بسطاء ..ليس مهما المركز بقدرما مهم نوع “الحكمة ” التي تصرف بها هؤلاء جميعا في لحظات معينة ..وهم أقوياء أسياد أو وهم مستضعفون .

..الحب والأخوة والسلام والتعاون والمساعدة والعلم والمعرفة والبناء والكلمة الطيبة والعلاج .بطريقة أخرى ما يمكث في الأرض هو ما ينفع الناس . بصرف النظر عن دياناتهم وانتماءاتهم ، يبقى السلوك الحسن والحديث الحسن والأفعال الحسنة ..لذلك فليس مهما الندم وراء انقضاء السنوات وتقدمنا إلى الأمام ،كما تتقدم السفن التي صنعت حديثا من دسر جديدة بعيدا عن البحر ..تجرب لأول مرة وهي مدفوعة ببطء نحو الماء..في رحلة بين مدة وجزر..هكذا نحن ..نمضي إلى الأمام ويجب أن نخلف أثرا .

في كل هذا ليس هناك ندم على ما فات ولا على ما هو آت ، إلا إذا كان الفرد وهو يقلب بين دفاتره وجد أنه لم يقدم معروفا لأحد، ولم يساعد أحدا ،ولم يسامح أحدا ،ولم “يتسامى”  La sublimation بتقدير “فرويد ” في التحليل النفسي عن أفعال كان بإمكانه حينها أن يعبر من فوقها إلى “الوجود المثالي “.

سيقول الكثيرون أن كل هذا الكلام مجرد حكاية “مثالية ” تدرس لأطفال “الروض” ليروا العالم بأنه ملك أيديهم كما تبناه “أفلاطون ” في هندسته للجمهورية ..”الأكذوبة المباحة “.ندرك أن ليس هناك شيء بالدرجة المتوقعة  يمكنه أن يتحقق كله ،ولكن يبقى فوق الأرض ما كان تابتا يمس الناس مباشرة في أرزاقهم وأبدانهم وسمعتهم ومعنوياتهم .

لذلك فالعام سيمضى وسيحل عام جديد دون أن يغير في فلسفة الوقت التي وجدت قبلنا مستمرة تقطع عاجل بآجل وتسلخ ليلا بنهار ..نقضي معها أعمارا منها إلى الرحيل، إنما يخلد ملتصقا بالأشجار والأوتار والدفاتر والناس تلك الأفعال الجميلة التي نقدمها لأنفسنا لتصبح “إشعاعا ” عاما .

كم ستكلفك أنانيتك ومزاجيتك وعنتريتك وكل الأحلام التي مشى على رسمها الأبطال والأساطير ولم تشفع لهم ، فالتاريخ لم يذكر أحدهم إلا بما خلف ..إن كان خيرا فهو خير له وإن كان شرا فهو شر عليه ..

تحضرني عبرة من المثالية المعاصرة عند واحد من الزعماء الكونيين الذين فرضوا احترامهم على الأمم جميعها ، إنه “نيلسون مانديلا “الذي ظل قابعا لعقود بسجون “حكومة بريتوريا ” بجنوب إفريقيا ، فقط لأنه أدان الأفعال التي يمارسها البيض في بنو جلدته السود ، كان مناضلا وطنيا ومن تم صار يقتفي أثره الباحثين في سيرة إنسان يجب أن يكون درسا ملهما للجميع . على الأقل الذين يوجدون اليوم على مستوى القارة الإفريقية وما سواها .

مانديلا أسس للتسامح “المستعصي ” إيجاد مثيل له ، يقول أنه وبعد أن أصبح رئيسا لجنوب إفريقيا طلب من حراسه مرة  الذهاب إلى المدينة لتناول الغداء بأحد مطاعمها .

وريثما وصل كان هناك شخص جالس مقابل طاولته ينتظر طعامه كذلك ، فطلب مانديلا من الحراس أن يذهبوا إلى ذلك الشخص ويطلبوا منه أن يأتي بطعامه ويتناوله بالقرب مع الرئيس .

ذهب الحراس إلى ذلك الشخص وطلبوا منه ذلك وفعل. إلا أنه جلس ويداه ترتجفان طيلة مدة الوجبة . لاحظ الحراس ذلك ، وعندما غادر قال الحراس لمانديلا لعل الرجل مريضا فمنذ أن جلس ويداه ترتجفان .

إنما كان لمانديلا رأي أخر ، قال لهم ذاك الرجل كان حارسا للسجن الذي كنت فيه ، وفي كل مرة وبعد التعذيب كنت أصرخ وأطلب منه قليلا من الماء إلا أنه كان يأتي ويقوم بتبول على رأسي ككل مرة .

لذلك كان خائفا يرتجف ، كان يتوقع أن أعامله بنفس الطريقة أو أمر بتعذيبه وحبسه ..ولكن هذه ليست من شيمي ولا من أخلاقي ..”

رقي المبادئ بالسلوك أكبر من كل عام ومن كل الأعوام، فحتما سنموت ولن تتذكرنا السنوات إلا بجهد وضعناه في مكان ما وأنبت كما تنبت الحشائش في الأحراش من الصحراء، ليستظل بها الرعاة وتنال منها الإبل فيما يشبه إيثار الطبيعة على من حولها بدون أنانية ولا مقدمات .