افتتاحية

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » هذا الزمان يحتاج لمزيد من الأعصاب في الثلاجة.

هذا الزمان يحتاج لمزيد من الأعصاب في الثلاجة.

بقلم : صبري يوسف .

قبيل عيد الأضحى ..كنا في وضع المتفرجين على حالة انتشار الجريمة  ولا نزال . سحل على الأرض ، اعتداء على المسالمين ..اعتقالات في الجهة المقابلة .. ملاحقات ..مطاردات ..انخرط فيها الفايسبوكوين بالتقاط الصور من أجل المساندة والمساعدة على الأقل لدور الشرطة والأمن الذي يقوم بواجب مهم على كل حال  .

وأيام العيد وبعد العيد تكررت المشاهد ..هناك عنف يضرب في كل مكان من هذه الأرض السعيدة التي عاشت لقرون أمنة مسالم شعبها المسالم ..أما المجرمين فلا رحمة ترجى معهم ..واقع الحال يطرح أسئلة تحتاج إلى جواب عاجل ..ماذا يجب فعله لإعادة الاستقرار إلى الأحياء ..بالأمس ظهر فيديو سيدة بشوارع البيضاء عرضة لمجموعة من الشباب الذين تحرشوا بها ..غلبت وهربت وصاحت بأعلى صوتها ” عتقوا الروح ” ..كثيرا ما لا نتخيل ما معنى عتقوا الروح : هي مرادف الموت بشكل أخر.

هناك جرائم في كل مكان ..لم يعد يحتاج الوضع المغربي إلى معايير لفرز مدينة عن أخرى . تقريبا كل المدن تشكو. الكبير منها والمتوسط والصغير ..حتى القرى المغربية والخلاء يعيش نفس الحال ..ليس هناك مكان بات معزولا عن جنون الإجرام والمجرمين الغير منتبهين إلى ما يحملونه تحت أقمصتهم ، أو تحت سراويلهم ..إنهم يحملون موتا محققا لمن يخالف إرادتهم ورغبتهم فيما عنده ..في المقهى والمطعم والمسجد ..أمام البنك ووراء أسوار السوق وفي الطرقات ..في المقابر والشواطئ .في السماء وعلى الأرض ..لا يفسر المجرم من يكون هذا من الأخر . التهديد يطال العالم بعلمه.  ويطال من يجر عربة لحمل البضائع ..الإجرام بمحطات المسافرين والطاكسيات ومحطات القطار .. شغل كل مكان كالنار التي ترمى على صفحة الوقود ..تسيطر على جميع مساحة الوقود المتدفق على الأرض ..وفي كل هذا يضع المواطن يده على خده .

هؤلاء المجانين لا يميزون بين أقاربهم وأهليهم ..وبين بقية الشارع .قتل للآباء والأصول ..وقتل للإخوة والأخوات ..فكيف لمن هو مستعد لسفك دم أهل بيته أن ينقد بقية الناس من حوله ولو صرخوا ..كالرجل بالبيضاء مؤخرا استغاث ولم يرحمه المعتدي قبل أن يسقطفي أيدي الشرطة ..في هذه المرحلة يطرح السؤال الأكثر أهمية ماذا يحدث حتى ظهر هذا الدفق الإجرامي مرة واحدة ؟

ليلة الأمس شاهدت عربات الشرطة تعبر الأحياء بأقصى سرعة ..وشاهدت على طول الطريق أنواعا من “العربدة ” والحيحة ..” هنا وهناك،  كالفطير الذي يخلفه سمر الصباح الباكر بالأرياف ..يخرج كما لم يكن بالأمس واضح الأثر .

ماذا يحتاج الوضع ..هل لمزيد من رجال الأمن والشرطة التي تقوم بدور مهم كما نتابع على شبكات التواصل من خلال مجموعة فيديوهات لمطاردات تنتهي بانتزاع سيف من مجرم كالذي يقاتل به “الساموراي ” في أفلام العروض السينمائية المحاكية لتاريخ الإمبراطور بالصين أو اليابان  ..هل الوضع يحتاج مزيدا من العقاب ..مزيدا من السجون ومزيدا من لا عفو ولارحمة ..أم هناك وصفة ” سحرية ” صحيحة لمواجهة الخطر الذي لا يميز .

إذا بحثنا عن العامل المشترك طوال فترة لا تقل عن ست شهور فهو الاعتداء ..خيم الخوف على المصطافين بالشواطي ..وعن الباحثين عن فرحة العيد ..في الأسواق كما في الحواضر والأحياء ..وقد يشهد موسم الدخول المدرسي من خلال ما يحدث إلى انتقال بعض مشاهده أمام المؤسسات التعليمية من معاكسة الفتيات إلى التهديد وتشكيل فرق للمجرمين لا تبرح الأبواب ..إذن هناك أزمة تحتاج إلى حل عاجل يضرب ضربا لا رحمة فيه .

سيتحدث السوسيولوجيون والاقتصاديون والمتتبعون عن أزمة”  بنوية “متعددة الأركان لشرح الظاهرة نظريا . بل نحتاج إلى القضاء على الظاهرة التي ستستفحل مع الوقت ولا تبقي ولا تدر ..إنما هناك قضية أساسية في هذا السياق العام ، وهي أن الأسرة تخلت مطلقا عن دورها الفعال اليومي ..ذلك الذي عاشت في كنفه أجيال وأجيال ..تلك اللازمة اليومية للتوزيع بين ما هو مقبول وما هو مرفوض قبل أن يغادر الأطفال البيوت ..سواء إلى مدارسهم أو نواديهم الرياضية أو أي مكان أخر ..حتى الذين كانوا لا يوفقون في المدرسة وينتقلون إلى ورشات الصناع تبقى نفس التوصيات التي لا تتغير ..

بالأمس كان البيت هو منصة الانطلاق إلى الشارع لمجابهة الحياة ..كانت الحاضنة الخلفية تدفع بالرجال والنساء إلى الاطمئنان على البيت وإيجاد القوة لمواجهة مخاطر الشارع ..الآن يقبع الخطر بالبيت أكثر من الشارع ..الأمن والآمان الذي كانت تنتجه الأسرة انعدم ..وبالتالي التهديد صار وليدا بالبيت إلى حدود أخر صومعة يؤذن عليها مؤذن قد يلقى حتفه إما عليها أو بعد هبوطه .

المهم قبل شرح الظواهر الإجرامية من كل المناحي بطريقة علمية ..تعكس أين الخلل .يحتاج الفرد المغربي اليوم أيا كان وضعه إلى مزيد من الأعصاب في الثلاجة لأن الاستفزاز القائم سيشمت في المتعلمين والعارفين إذا لم يتعاطوا مع أصحابه المنتشرين في كل مكان بروح من “التسامح “للإفلات من الاعتداء و حتى لا يصبحوا طرفا في قضية لا تعرف نهاياتها ..بالأحياء والطرقات والممرات والمعابر وأي فضاء  ..

مزيدا من برودة الأعصاب حتى يتجاوز الإنسان العاقل الرزين محنا قد لا يكون بالمطلق فكر يوما في أن يصبح في وضع لا يحسد عليه. لأن شخصا أحمقا مجنونا لم يراعي قيما مجتمعية ، وثقافة مجتمع وتاريخ جماعي للمغاربة كانوا يراعون فيه معنى حرمة الجار والغريب ..الكبير والشيخ والمرأة والطفل ..الفقير والغني والمتعلم ..الأحمق والعاقل ..الأجنبي والمحلي ..فمزيدا من الصبر على الأيام القادمة إلى حين انجلاء هذه السحابة …