افتتاحية

  • تجاوزنا الزمن.

    بقلم : صبري يوسف. أعتبر هذا الرأي ربما الأخير في هذا “الأسدس الأخير” من السنة  الجارية ع...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » هي فوضى…

هي فوضى…

بقلم : صبري يوسف .

قبل سنوات من الآن كان المخرج المصري الكبير يوسف شاهين وخالد يوسف يضعان اللمسات الأخيرة لفيلمهما الذي سيخرج للقاعات عام 2007 .اختير له عنوان هي فوضى..كان نبؤة حقيقية وقراءة مفصلية للواقع المصري. الذي لا يخرج عن سياق كونه واقع عربي ..لدولة عريقة لها إرث في الحضارة العربية وباع من الانتاجات الفكرية والعلمية الرصينة .فيلم هي فوضى شخص اختلالات كبيرة داخل المجتمع المصري على مستويات عدة ..حرك الراكض في علاقة المواطن بالسلطة ..انتشار الفساد والمحسوبية والزبونية وتزوير الانتخابات وشطط السلطة ..وارتفاع حالات الكبت الجنسي والقمع ..تقريبا عرى الفيلم عن الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للحياة المصرية للمصريين ..لم يحدد طبقة معزولة ..بل يكاد لا يستثني أيا كان ..أعيدوا الفرجة بتأني للفيلم وسترون أن كاتب السيناريو ناصر عبد الرحمن وضع مجتمعا مصريا تحت المجهر …

فيما بعد سيخرج طبيب الأسنان علاء الأسواني بعمارة يعقوبيان ..وهي الرواية التي حشدت مبيعا ومقرؤية غلبت على كل ما سواها ..علاء الأسواني شخص وضعا اقترب إلى فيلم هي فوضى ..عمارته جمعت خليطا مصريا لا يجتمع ..وجسدت كل شيء ينضح من داخل الحياة المصرية القابلة للانفجار في أي وقت . لأن القيم لم تعد تشد الأساسات بفعل الفساد في كل الميادين وحالة الطغيان  والقهر والجبروت  …أو كما يسميه البعض “فوضوية السلطة وسلطوية الفوضى” ..هذه الحالة المصرية التي ارتوت بالفن والأدب والسينما قبل الانفجار العظيم …وهو ما كان بالفعل .

لنعد لما حدث بالأمس ..حالة اغتصاب طفلة على متن حافلة أمام أنظار العالم ..أو بالأحرى ركاب الحافلة الذين يجهلون القانون ..الذي يقيدهم بتقديم المساعدة لمن كان في حالة خطر. بل إنهم تواروا وراء الهبوط الاضطراري على عون الطفلة المستغيثة  .لأنهم يدركون أن لا شيء يهمهم من اغتصاب شابة أمام أعينهم ما داموا لم يتعرضوا لمكروه، وما دامت ليست بنتهم أو أخت أحدهم أو زوجة راكب من الركاب ؟؟.هناك الجهل ..وعقدة الخوف من “سين وجيم” ..وجبروت السلطة بتقديرهم حينما يصبحون شهودا داخل مخافر الشرطة لغياب ضمانات حماية الشهود كتقدير لديهم بعد الخوف من المخافر طبعا ..وهناك الظروف الاقتصادية التي ربما تدفعهم إلى الإفلات بأنفسهم لأنهم في طريقهم إلى العمل أو إلى بيوتهم ..وهناك العيد والدخول المدرسي ..وهناك مليون مطرقة أصلها اقتصادي واجتماعي ولكن هناك خسارة لنا جميعا من رواء كل تلك الذرائع والأعذار .

قبيل أيام طفح عالميا خبر ممارسة الجنس على “حمارة سيدي قاسم” حتى تدخلت منظمات دولية في المسألة ..هناك الكبت الجنسي ..والعنف ..و اللارحمة ، وهناك قبل أيام هجوم على حي وخروج الناس لطلب الأمان الجماعي منتصف الليل..وبعدها هجوم على شاطئ بمصطافيه ..أما سرقات الدراجات والهواتف  تحت التهديد ،واعتراض سبيل المارة فحدث ولا حج ..هناك عنف يضرب في كل مكان . وهناك سجون مملوءة والخطر القادم أسوأ …ماذا يحدث بالفعل ؟

تم هناك إرهاب يضرب في الكون مرتكبوه مغاربة كما حدث في اسبانيا ..بتنا لا نصدر البشر بل نقدم عربون عزاء للبلدان المستقبلة ..ماذا يحدث في المغرب .

هل نحتاج إلى الضرب من حديد بمزيد من تكريس القبضة الأمنية ؟ أو بمزيد من العقوبات وملء السجون ؟ وبمزيد من (التضييق على الحريات) التي يعتبرها البعض سبب الفوضى الحالية ؟ النقاش يطول والمطلوب من كل هذا هو إيجاد حل. وقبله تشخيص الوضع الذي يمس الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمغاربة التي يجب بكل صراحة الاعتراف بأن مجموعة اختلالات هي المحدد لما يحصل ولما هو قادم .فالمجرمون بطبعهم لا يقرؤون الصحف . لا يهتمون لما يلقاه نظرائهم من ويلات السجون والردع والعقاب ..لا يهتمون لمناهضة المجتمع .المهم لديهم هو الاستفراد بالضحايا والحصول على شيء من وراء كل عملية .بالسجن التقيت كثيرا منهم ..إنهم حمقى لا يقرؤون ولا يهتمون لتطور المجتمع وقيمه الأخلاقية ..حتى مسألة الإصلاح وإعادة الإصلاح ليست في صلب اهتمامهم ..أغلبهم راغب في ارتكاب مزيد من الحماقات ..أجذ المجتمع والكيانات المدنية تحسب أن الإجرام والمجرمين يهتمون لصرخة المجتمع أو يؤنبون ضمائرهم  . بالعكس هم فاقدو الشعور بالإنسانية ..إنهم مجانين .

في المقابل ما العمل ؟

في تقديري وقبل “الانفجار ” الاجتماعي الذي لا نرجوه ، أن يعيد المغرب تقليب الأمور ..أن يعاد الاعتبار إلى الإنسان المغربي ..صون حقوقه وكرامته ..تخليق الحياة العامة في المؤسسات ..رفع الحيف عن الناس ..تمكين الشعب من ثروته . ربط المسؤولية بالمحاسبة ..فيوميا نفقد الكبار والمرشدين الذين غادروا بصمت .ونستقبل مئات المجرمين بالمستشفيات كولادات جديدة ستقودنا إلى الجحيم ..يجب رد الاعتبار إلى الإعلامي الحر النزيه والمثقف والمفكر والأستاذ والمرشد والمجتمع المدني ..يجب إنفاذ القانون ..صيانة المكتسبات ..احترام المادة الدستورية ..

الوضع جد سيء ..حتى مع الاستقرار الذي نعيشه ..فالخوف ارتفعت درجاته ، ومجرد السير على الطريق مساءا يوحي بأن الرجوع  إلى البيت من باب المستحيلات..؟ وأن الذهاب إلى مخفر الشرطة أو المقبرة هو الأقرب..لقد ساهم الإعلام العمومي منذ سنوات مع كامل الأسف بتغذية الحقد والكراهية وانخفاض الذوق العام ..فعندما يبث الإعلام العمومي برامج لأخطر المجرمين والخيط الأبيض ومسلسل سامحيهم ..ومشاريع برامج تافهة …لالة لعروسة ورشيد شو …وكله من مالية دافعي الضرائب فإننا ننتظر الأسوأ …مرات كنت أقف على جنون المساجين وهم يتفرجون على مثل هذه البرامج ..يشعرون بالغبطة من تصوير وقائع لجريمة معينة في برنامج أخطر المجرمين ..إنهم لا يندمون بل يتلذذون بأفعالهم. ويتعلمون قيما خبرية أخرى تنضاف إلى تجاربهم …إن المجرم لا يندم صدقوني ..إنهم خلق لا يستوون حتى مع مطرقة الحداد وإصرار نافخ الكير على مزيد من النار ..الجريمة ركن نائم في المجتمع لا يعرف الفضيلة ..لا نريد أن نصبح كتوقعات يوسف شاهين والأسواني بعد أن صارت تنبؤاتهم واقع حال في مصر المحروسة التي ذابت شوكة الأدب فيها وقيم النهضة العربية مع رابطة الفساد الذي لا يقيم أي سلطة أو دولة حتى بنصوص القرآن وباقي الثقافات التي تؤسس للإنسانية بعيدا عن هذا وذاك .