افتتاحية

  • وزارة الدفء.

    بقلم: صبري يوسف. في الواقع بات اليوم مطلب إحداث وزارة للدفء مطلبا شرعيا، ما دام كل شيء سهل..توفير ال...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » وزارة الدفء.

وزارة الدفء.

بقلم: صبري يوسف.

في الواقع بات اليوم مطلب إحداث وزارة للدفء مطلبا شرعيا، ما دام كل شيء سهل..توفير الاعتمادات وتسمية الوزير سواء من الحزب الذي يحصل عل أغلبية الأصوات المعبر عنها في الإنتخابات أو اعتبار هذه الوزارة متعلقة بفصل البرد وبالتالي الوفاء بها كأمانة لحزب لا يوجد ضمن التشكيلة الحكومية..

ولما لا على غرار البلدان الصديقة والشقيقة إحداث منصب وزير السعادة و”المورال ” ..لأن مورال الجميع إلى الأرض، والتفكير في وزارات أخرى بحكم أن شغل الحكومة جيد ، وهي مسنودة جماهريا برأي عام يحبها ويحب ما تقوم به لفائدة (المواطن) كل زمن سياسي منذ توليها إلى خروج أخر وزير من مقر وزارته في اتجاه بيته..مع ما يكون قد تبعه من حقوق على دافعي الضرائب أداءها لتقاعده، ومؤخر الصداق للمدة التي قضاها في طقس الحكومة بشغلها ووهنها وإرهاقها ونواحها بأمنا جميعا “البرلمان ” واستيقاظه باكرا من تحت الغطاء..فالمهمة مهمة وزير.

ومادام فعل تقديم التقاعد على فك أزمة التعاقد وأزمات مستعصية هو من هم وانشغالات الوزراء فلماذا لا يتم إحداث هذا المنصب..منصب وزير يختص بالبحث عن الذين يبيتون تحت المحلات وفوق الرصيف، جلهم إن لم يكن كلهم وثقوا بأن لا راد لقضاء البرد إلا الأكياس البلاستيكية التي نهى عنها وزير كبير عظيم شأنه في حكومة مرت علينا كالدهر لم يكن إلا رئيسها الذي نصح واستنصح ..مع أني لا أعرف كيف قفزت عبارة الاستنصاح إلى حديثي، ونهى المغاربة عن استعمال الأكياس، وباتت لجان إقليمية تراقب المحلات والمستهلكين ذكرتني برواية “جورج أورويل ” 1984 The big bother is watching you أو الأخ الأكبر يراقبك …هذا الأخ الذي يشبه نفس بطل جورج أورويل الذي صارت أيامها لجانه تراقب الجميع من خلال شاشة الرصد..

وزير التدفئة عليه أن يكون رقيقا رحميا ، ويصدر عفوا عاما يسمح باستهلاك الأكياس البلاستيكية التي يحتمي بها المشردون وساكنة الفراغ بالليل، بعضهم يغطي بها كلابه ورفقة درب الطريق بالأحياء التي تصير خاوية، اللهم من سمك قطعة من البلاستيك لحماية حياة مواطن أو على الأقل إنسان ،لأن المواطنة حجر زاوية لا يزال لم يشيد ..

الساعات المتأخرة من كل ليلة كما يجدر بكل الأجهزة أن تقوم بدورها في الحماية ..حماية الأجساد من الكساد والممتلكات فلا بأس توفير التدفئة إن لم تكن مراكز إيواء وشموع وبخور وأغطية وماء وصابون وغسل ورأفة ورحمة، وتمتيع بحياة فعلى الأقل قراءة رواية قرب رجل فقد كل عزيمة في الوقوف من جديد لأسباب علينا إحياء فرويد وجاك لكان وبقية الخطابات التحفيزية وإصلاح الشائك من حياتهم التي أثرت فعلا على سلوكهم وعلى ماضيهم وحاضرهم وغادروا إلى خارج البيوت، ولم يكن في خلدهم أن هناك موسما للبرد ضمن الفصول الأربعة اسمه موسم الشتاء..الإنسان ينسى وعندما يكون ملزما بالخروج تحت ظرف معين يتذكر ويعد بأصابعه أنه يعرف فقط في المغرب ثلاث فصول ..ويعانده الحساب ليجد نفسه مقتولا في أوج هذا الجو البارد من هذه الأشهر التي سنستعيد من خلال “Meteo “الإعلام الرسمي التأكيد على اتخاذ الحذر..ما معنى اتخاذ الحذر وعدم النزول من الجبال أو الصعود من الحفر..وقد كتب شاعر تونس الخضراء أبو القاسم أنه يلزم الصعود حتى لا يعيش الفرد أبد الدهر بين الحفر..في كل هذه المشاتل الصغيرة من صعوبة الإنسان المغربي اتخاذ جهة اليمين حلا أو اليسار أو الامتناع عن التصويت أو التصويت أو تمثيل دور المواطن بكامل حقوقه أو الضحية بلا حقوق ! يجد نفسه في الأخير في الجبال البعيدة وفي الأودية العميقة وفي المدن والشوارع يحتاج  إلى 4 وزارات عكس رواية جورج أورويل ووزراتها الأربع الشمولية…وزارة السعادة والرأفة والرحمة والدفء..ووزارة الأخلاق ..وصندوقا مملوءا بالأماني …كما تحلم “سالي” الصغيرة !

البرد هذه الأيام لو تأخرت ليلا أو صبحت صبحا ستجد أن لا ملجأ من هؤلاء الناس غدا يوم القيامة من كل الأفعال التي ارتكب ضد أدميتهم إلى حساب يتجاوز من أين لك هذا بكثير؟ وبأكبر من محاكم التفتيش وفتش يامفتش..

بالأمس وقد أخدنا غداءنا رفقة “الوالد “..والدي الفقيه خريج دار البارود يوما ومدرسة ابن يوسف للتعليم العتيق بمراكش..صار اليوم وقد تجاوز الثمانين عاما..وعليه مارسنا نوعا من الاشتهاء وأكلنا بعض” أفخاذ” الدجاج المشوية بعد جوع شبعنا..انصرفنا وأخذت يده بين يدي، ولأنه صار ضعيف الجسد بقدرة عقل جيدة..مسك بيدي وضغط على الإبهام مني وأراد أن يحدثني كما يحلو لرجل مسن مارس دورا “أورتودوكسيا” بعيدا عن تمجيد الكاثوليك للصكوك وما شابه بدون تطرف ولا سواه في الأفعال أو السلوكات..تركتنا على الأقل مناقبه وتنشئتنا في غروب كل الأحلام أسوياء مقتنعين بأن غدا لناظره قريب.. ولو أن “غودو” يساء اليوم انتظاره ، نظر إلي وعيناه إلى الأسفل تم قال لي: “هذا الوطن الحمد لله بخير..وعلينا أن نحافظ عليه..”، قلت له نعم يا والدي لقد أكلنا حتى شبعنا..أرأيت أن الكرش الشبعانة لا تتخيل وجع الجياع مهما أدوا القسم أمام أعظم المحاكم وأنظف القضاة في الكون..قلت له وهو يحب النقاش الهادف الصريح العقلاني ..نعم على الجميع أن يأكل..وأضفت: يا والدي إن الوطن عليه أن يسع الجميع بدون جوع ولا إملاق ولا خسوف أو كسوف…قال صدقت ، وقلت له لنتخيل أننا اليوم بلا طعام كيف كنت ستراني وسأنظر إليك من زاوية الجياع كلينا..؟ مع أننا لم نأكل ما اشتهينا وجاءت به كتابات جورج زيدان حول قصور هارون الرشيد ..بل أكلنا ما تقبل عليه العامة.

ذكرته بأن الإنسان هو الوطن ، الإنسان الشبعان النظيف السليم المعافى الساكن والمتعلم..وأن الحجج بضياع الأوطان أكذوبة حينما يلتهم جزءا كلا فتلك ليست مشكلتي ولا مشكلتك ولا تجعلنا نبيع لنشتري رغيفا بل ..على الآخرين أن يدركوا أن الجوع مهما ابتسم لن يصدق دموعه أحد…ولو كانت دموع بكاء..

انصرفنا وتركنا كلبا أو قطا ضخما وراءنا كان يستمع إلى حديث هو في العموم قصير وغلب عليه “المونولوغ”..فهل يكون جاء ليتسمع أو ليسمعنا…؟