افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » الدرس الكاتدرائي.

الدرس الكاتدرائي.

بقلم : صبري يوسف

في الواقع يبدو أن الإنسان مطالب بالصمت كاختيار ليس استراتيجيا، وإنما لأنه تمليه الظروف المحيطة بالإنسان، تلك القسوة التي تتدخل يوميا في إتلاف الجمال فينا، وبعثرته، وتقوضيه، ولأن الصمت من أكبر الحكم والقيم التي لا تعطي بوضوح كونها” موقف”، غالبا يكون مصاحبا بالرفض لتفاصيل الواقع المعاش، أجناس هذا الواقع، طقوسه، وشخوصه.
الدرس الكاتدرائي ليست من إنتاجي الخاص والمتواضع..لا. إنها مفردة من لسان أستاذ جامعي بمحاضرة لسوسيولوجيا الأديان، اقتنصتها لاستعمالها في باب أخر، مع يقني التام الواضح جيدا ، أنني كنت سأبقى متنقلا بين هذه الحياة ولا أعاصر أحدا يتلو على مسامعي مثل هذه العبارات ذات الحمولة العلمية الكبرى..سأبين لكم كيف ؟
في العادة نعتمد يوميا على الخطاب نفسه الذي يعالج قضايانا بنفس “سعة “المفردات وقاموس الخطابات المباشرة بيننا، وتجويدها أمام “المؤسسات” وبعض الجموعات الخاصة المحدودة، إنما من أجل الإرتقاء عليك بالذهاب إلى هناك..إلى الفضاء الأرحب للجامعة لتتعلم. إذا كنت معنيا بالارتقاء على الأقل لمعرفة أنك فعلا موجود !وتفكر !
قد يقضي الفرد زهاء عمره للبحث بين السطور عن استعارة قوية لتمرينها في شكل أخر للغة ولا يجد. إنما عليه بالتقاط الأنفاس مادام حيا. والبحث عن ما يحتاج ليجده في جعبة أساتذة الجامعات بهذا البلد، هم فقط الذين بإمكانهم مدك في هذا الضيق بأنه عليك أن تصمت أكثر. وأن تبكي أكثر. وأن تشعر بأن كل صعوبات المدرسة العمومية اليوم والضرب من تحت الحزام ومن فوقه كي لا تتعلم . كي لا تجلس مؤدبا في حضرة أستاذ يعد بالنسبة للذين لا يردونك هناك أمر مرسوم بخلفيات معينة .و بصمودك ستحتاج إلى شهور وسنوات إذا أردت في الأخير على الأقل أن تتكلم بعد صمت رهيب يشبه صمت القبور..
المهم، كانت هذه مجرد مساحة من التسامح بيني وبين إرادتي الفردية التي أدخلتني هذه السنوات إلى الجامعة لتتشكل لدي أصعب القناعات على الإطلاق في البقاء هاهنا أو البحث غدا عن رحيل يعادل مضمون ما أقراه يوميا، وما ألتقطه بالكتابة والفهم داخل مواد علم الإجتماع العظيم.
لأعود باستعارة الدرس الكاتدرائي، في مقام السياسة والسياسيين بالمغرب.
وقد شهدنا قبل أيام نهاية تراجيدية للقاء حزبي تعارك مناضلوه، بالكراسي ، وقبله بسنوات قليلة تعارك حزب عتيد بنفس الأسلوب، الصحون.
في الواقع الأمر مقبول بعض الشيء؟ لأنه يحدث عادة ! أن يتعارك الناس ويتدافعون من أجل الخلاص “الأدبي” الذي لا يجعل المواقف إلا لينة و”مطبعة” بضم الميم. إنما الذي استوقفني هو وجود “رجل” زعيم في الصورة وهو يدافع عن بقاءه، ووجوده برئاسة وزعامة حزب كان قد خرج من أجل “الفلاحين ولعروبية ” يوما ما في الترسانة السياسية المغربية. واستفرد به رجل منذ أن شاهدته أيام قصص “بربا شاطر “أعظم ساحر وقد تعبت أنا بعد سنين ولم يتعب هو .
الدرس الكاتدرائي هو “الإلقاء” الذي مارسته الكنائس الاورتودوكسية والكاثوليكية في القرون الوسطى على مريديها، معتمدة على لفظ “الحق في لساني”، يتلقى المؤمنون خطاب الوعاظ والرهبان بصمت القبور وعدم القدرة على التضحية بالنقاش الهادف إلا ما يسمح به لفظ “الأمين”.
هو نفس العزاء فيما يسمى الطبقة السياسية المغربية، تريد بعد مضي قرن من الزمان على فشلها، وفشل برامجها ، وتعثرها، أن تمارس أساليب “الدروس الكاتدرائية” ،أحاول استعارة ما اسماه الأستاذ “بالإلقاء” وقد كان يتحدث عن “البيداغوجيا التربوية” التي أستعيرها اليوم وأحولها إلى السياسة.
حين قال أن المناهج العلمية اليوم في التدريس تعتمد على تقنية الأقسام المقلوبة Conférence Inversée أو” البناء المشترك لإنتاج المعرفة “.لأستعير هذا المنهاج الذي تطور في نسق التربية والتعليم وهي تزحف من أجل الإرتقاء بالمهمة.
فيما كل الدنيا تطورت، وفيما كل الرياضات تطورت..والزراعات تطورت ..والثقافات تطورت..وعلوم البيولوجيا والهندسة والطب والرياضيات والفيزياء والفلك والذرة والبصريات والطاقة وألعاب الأطفال..الألبسة والأحذية، الأواني والأبنية والآليات والمسامير..والغلاف الجوي والمناخ والمحيطات والقطب تطور هو الأخر بأن ذاب جليده..تخيل في نفسك وزد على ما كتبته في هذه الدنيا وقد تطور..أدوات الحلاقة والتزيين والتجميل، الإذاعات والتلفازات والهواتف..الحمامات والمراحيض.كل شيء تطور في العالم من حولنا إلا الأحزاب المغربية لا تزال تريد جمع البشر من مساحة جغرافية لبلد كبير اسمه المغرب، واستقبالهم في مؤتمر للحزب عل مدى أربعة أيام أكل وشرب وتعارف وتصافح من أجل التغيير ! وعنوان المؤتمر روح التغيير المسنودة بكل فلسفات التعاقد حتى المتأخر منها في روح علوم الشرائع. وفي الأخير يخرج أمين عام من بين كل الأنقاض والكراسي والأواني والصحون والعراك والضرب والجرح والكلام النابي وصياح المناضلات والدروس والأخلاق معلنا أنه باق. وأنه لم يمت.وأنه هو الزعيم وهو النخبة وهو من سيصبح بالبرلمان للتشريع ومراقبة الحكومة وتقييم السياسات العمومية، وأنه أفضل المؤتمرين.
وأن الذين تصارعوا من مناهضي العدول عن (ديمقراطيته)وروح تغييره .هم عصابات مدفوعة الأجر..هم مأجورون عدميون، لا يفهمون في مصلحة الوطن والبلد، هم جيء بهم كما جيء بمسيرة “ولد زروال” إلى حيث لا يدري من جاؤوا باسمه وتحت جناحه..هم مدعمون ضد “الدرس الكاتدرائي “المؤسس والمستوطن بشروط دامغة في قلوب المؤتمرين إلا المناهضين، فإنهم يستحقون الطرد والحبس وأن يصلبوا من خلاف، حتى ولو كانت مناهضتهم حضارية مقبولة.
المغرب يعيش “مهزلات “سياسية كبرى في أزمنة تحتاج إلى أحزاب قوية، وأمناء عامين واعون بأن طقوس الدروس تجاوزتها الصيرورة التاريخية والجغرافية والاقتصادية والاجتماعية، إنهم لا يحبون هذا الوطن كل الذين يريدون أن تبقى دروسهم هي الحبر الذي تكتب به جميع أماني المغاربة، مع أنهم ليسوا داما الأفضل، وليسوا الأجمل ، وليسوا الأصلح.
تقصى اليوم باسم “الدرس الكاتدرائي” كل النخب العالمة التي راحت تغادر الوطن بالآلاف، ويقصى الشباب العالم والحالم بروح التغيير الحقيقية.
ويقصى الذين يريدون “الأقسام المقلوبة” Conférence Inversée لإنتاج المعرفة المشتركة. فهم مجرد مندسون حاقدون شامتون مزايدون على الحس النضالي لتاريخ حزب وزعيمه الأبدي .
ليس وحده الذي يريد أن يستمر درسه الكاتدرائي في الوجود وتسمع تعاليمه في أبد الآبدين، لا، هو حاضن حصة مهمة من “الكعك” لفائدة أهله ودويه وأتباعه ومقربيه ومساعديه إلى لا نهاية، بمعنى أن ماركس حتى ولو انهارت وراءه الايدولوجيا وخربت،مع التسليم ببقاء ووفاء جزء من إرثه العلمي في” صراع البنى” لفائدة أعلى يريد هضم الأسفل بكل الوسائل.
إنما الأحزاب المغربية اعتقد لم يعد هناك مجال لنقاشها، استحضارا لمجموعة من الإشارات العليا التي لم يرغب فهمها أمين حزب هذا الأسبوع، تقاتل من أجل درسه الكاتدرائي حتى مع مغادرة 22 وزيرا لمكاتبهم المكيفة، وطباخيهم، وسياراتهم، مع تكلفة تلك المغادرة التي قد تقود أرقاما إلى جيوبهم بتقاعدهم وما إلى ذلك ..إنما كان درسا من 39 وزيرا إلى 24 .
في كل هذا استطيع وتستطيع إذا كنت تفهم في سياق التحولات الغربية بين النهضة ومعاكسة المحافظين، أن كل شيء لا يتغير بسرعة. يتغير ببطء وهنا معضلة التحولات الثقافية وجوهريتها .
“الأحزاب السياسية المغربية تعيش أزمة خالدة ، ترتبط بعدم قدرتها على تجديد نفسها، والتكيف مع المتغيرات التي رافقت العمل السياسي في العالم ، خاصة اندحار الايدولوجيا وضعف العمل النقابي ، ثم ظهور مراكز التفكير التي قلصت من قيمة برامج الأحزاب ، لغياب الدقة في التشخيص وضعف بناء البرامج ” هكذا وصفها المصطفى الرزرازي
وعليه أعتقد اليوم أن كل التأخر الذي يعيشه هذا الوطن ، من إبعاد النخب عن المشاركة السياسية في تدبير الشأن العام ..إلى العزوف الكبير للشباب.. إلى تدني كل المؤشرات وغرق المغرب في المديونية، وامتلاء السجون، والانتصار للزبونية والمحسوبية وغياب التكافؤ السليم للفرص، وضعف البحث العلمي إلى هشاشة الأحزاب البنيوية ..والحال أن الإرث الغربي العريق في السياسة يؤمن بأن التغيير في العصور الحديثة مرتبط دائما بأهمية هذا المعطى القادم من السياسة جوهر كل التحولات منذ الإغريق.