افتتاحية

  • الوعي بالقهر.

    بقلم: صبري يوسف. سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » الوعي بالقهر.

الوعي بالقهر.

بقلم: صبري يوسف.

سأستعمل هذه العبارة التي وردت في مقال لأحد أساتذتي الجامعيين قبل أيام بموقع وطني مغربي لأدرجها في مقام أخر لا يقل أهمية عن نفس اللغة الصريحة الواقعية .

إنه خروج مجموعة من مستخدمي جمعية سيادية اسمها “جمعية الرحامنة للموارد البشرية”، احتجاجا على تدهور أوضاعهم الاجتماعية، مطالبين بمجوعة من الحقوق..على رأسها تسوية رواتبهم المادية لتستجيب للحد الأدنى للأجور، والتعويض عن ساعات العمل الإضافية وأيام الأعياد والمناسبات، ورزمة أخرى من الحقوق التي تساءل أكثر من جهة حول هذه الشريحة..مفتشية الشغل وقانون الشغل والتأمين عن المرض والعجز والحوادث …

وعليه جاء وقوف هؤلاء جميعا أمام بلدية ابن جرير لهذه الغاية، مرددين شعاراتهم من قبيل”زيدونا في الأجور ولا زبلكم يبقى منشور”، للإشارة فهم بين عمال النظافة ومستخدمين في مؤسسات عمومية ومصالح ترتبط حيويا بخدمة المواطن .

السؤال الأساسي، هل خروج هؤلاء الرجال والنساء إلى “العراء” أي إلى الشارع للاحتجاج على أوضاعهم المزرية التي وصفها واحد من عمال النظافة بالجوع فيه عيب؟  لأعود إلى كون جزء من تاريخ المغرب هو تاريخ للجوع والمرض “عام البون” ..عام الجوع..عام الكمل..عام السل”، لست أنا القائل؟ إنما ما أستشعره  وأنا أدرس قسطا من تاريخ “الانثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية”  و”الأنثروبولوجيا التأويلية”  لكيفورد غيرتز في جزئها الخاص بهذا البلد، الذي استشعر أنني بدأت أعرف على الأقل وأدرك ماهية الوجود من العدم فيه..وجودي كبشر ينتمي إلى هذا الجزء من العالم الذي بات يتطلب مني الصمت كحكمة أكثر من النطق بكلمة Le silence est d’or

فهناك السوسيولوجيا ومعها الانثروبولوجيون تناولوا هذه المواضيع بشكل مكثف بالوصف والتفسير والاستقصاء العلمي حول مجموعة من الظواهر  المحلية.

إنما بالعودة إلى مستخدمي المجلس البلدي أستعين بما قاله هؤلاء الرجال عن وضعهم المحزن، عن أجور باتت هزيلة أمام تحديات الوضع الراهن، المدرسة وتتلمذ أبنائهم، نفقات الحياة اليومية وغلاء فواتير الكهرباء والماء، تحدثوا “بالتشبع” Saturation كما تناولته المناهج الكيفية في العلوم الاجتماعية، عن سوء “الحال ” مما يلبسون إلى حدود العودة إلى البيوت” .أي أنهم قالوا كل شيء تقريبا بطريقة واعية بقهرهم الاجتماعي..لم تحركهم” الحقوق الكبرى”، ولا ضعف أداء “السياسات العمومية” ولا الأدوار الاجتماعية للفاعلين ولا التنمية الذاتية ولا مؤشرات السعادة ولا كماليات العنصر البشري على هذه الأرض . بل حركهم الفقر ومضاجعه ، مع حرصهم على أداء الواجب ودون الامتناع أو التنديد بالرفض ..كانت وقفتهم سلمية ، مثالية، لطبقة “معضوضة” اجتماعيا تريد الحل لذاتها مع الإقرار بأدوارها الاجتماعية ذات الحمولة “القيمية “والأخلاقية والاقتصادية والثقافية والدينية..إنهم رجال للنظافة ومستخدمات الحقل الهام الذي يؤدي وظائفه يوميا بمقاطعات المدينة” من صبح الله إلى مساءه”.

في الأصل ولتوضيح بعض الجوانب علينا بشيء من الموضوعية اتجاه شريحة ابتليت بهذه المدينة بالبدل في”خدمة” للوطن والمواطنين بدون مقابل، وهنا سأشرح أكثر لأن الأمر يتطلب حلقات وتفكيكا أكبر للموضوع:

وجدت جمعية الموارد البشرية إبان الولاية الأولى للمجلس الجماعي الذي حمل بصمة حزب معين، كان الإخراج “عامليا” على ما اعتقد ، كانت وصفة في زمن معين بالنسبة للتجارب العمودية القادمة من “مكاتب التفكير” ربما الأجنبية، وصيغة جديدة لخلق التوافقات في قطاع الشغل، أحدثت الجمعية وبدأت تشغل، وتشغل إلى أن تجاوز فيها العدد موظفي بلدية ابن جرير جميعا وعلى مرتين، وفي السياق ذاته أحدثت جمعيات أخرى للنقل الرياضي والصحي والمدرسي، وجمعية للفلاح عهد إلى مكتبها بتقديم كل شيء في هذا العالم الخاص بالأغراس والاستشارة إلى حدود تحريك الجرارات ليلا للحرث وأدوات الحصاد في حر الصيف.

كانت التجربة فتحلا وذكاءا جديا سيحتوي جزءا مهما من مشاكل هذا الإقليم(…) ، إلا أن غياب مجموعة من الأدوات والإمكانيات والقدرات، وهندسة معيارية تبتعد بفعل التنمية عن السياسي ضربت في عمق هذه الأفكار وخربتها إلى حدود الساعة وهو ما عجل بتوزيع” فيء وخراج وأنفال” جمعية الفلاح بين  جماعات وسياسيي القبيلة عجلة عجلة..وبقيت صامدة جمعية الموارد البشرية وجمعية الخدمات بالرغم من ناقوس الخطر الذي كان يدق كأجراس سئم الرجال الذين يقفون حول جر الحبل جرا . إنما لم تخضع الجمعيتين اللتين سنعود لهما بالتفصيل إلى أي مبادرة للارتقاء بدورهما المجالي والبشري في الآن معا ،لأنهما بالنسبة للذين ورثوا هذه التجارب اعتبروا الأمر “عرضا”offre لخدمة الانتخابات أكثر منه خدمة الصالح العام دون التوزيع بين حزب وحزب ولا زيد أو عمر.

في الحقيقة هذا البلد دمره جزء مهم من سياسييه وقد أكاد أكون محقا والله أعلم؟

بل سيتبين أن الجمعية موضوع تشغيل أبناء المنطقة منذ العام 2012 بمن فيهم الذين سيلتحقون مدرجين بالحزن العميق على فقدان مناصبهم من أبناء السميسي ريجي الذين بقي جرحهم غائرا إلى اليوم ، وأعداد من الذين يرابطون بكل كرسي وحافلة وأمام وخلف “شطاطيبهم ” و أعلى أعمدة الإنارة وفي كل مكان لا يستريحون .ستأخذ مسارا منحرفا..كيف؟

فقد كشفت في مرحلة ما؟ وثيقة مسربة عن عدد  كبير من الأسماء والأنساب والألقاب أن الأمر يتعلق بباب فتح من أجل خلق زبائن وعلاقات لوجاهات سياسية ، وتوجيه دور الجمعية المحتضنة لأبناء المنطقة بدون معايير ولا محسوبية وتحويلها إلى ثكنة لتوليد الفعل السياسي من وراء الأعداد التي ستتقاضى دون أن تظهر بأي نقطة من أجل أداء الواجب .

نفس الشيء سينطبق على تجربة فاشلة بحجم أصغر سيبدعها نفس المجلس بشكل مشوه، تبت مع الزمن أنها هي الأخرى ومعها الجمعية السيادية تحتاجان إلى أكبر من مجرد (قلب حنون ومروءة) وصاحب وقريب ناور وترافع عن قريبه ليشغل ويستفيد من مرتب معين.

كله كان إلى حدود قصوى غير شرعي ولا ديمقراطي ولا وثوقي  وغابت شروط التشغيل ورؤية للمستقبل واضحة. على اعتبار أن السنوات تحمل في بطنها مع الوقت تحولات على كل المستويات، وفي مقال قديم جدا كنا قد حذرنا قبل أعوام عدة من أن هذا “الحمل الوديع ” يوما ما سيصبح جبلا من المصائب المشروعة والحقوق.

لا ينكر أحد أن عبقرية بعض مدبري المرحلة السابقة وجدوا من خلال تلك التجربة “حلا” معينا، بينما كانت أعداد العاطلين يومها  مهولة ، ولنتخيل لو لم يتم ابتكار هذا الحل “المهزوز” المؤقت الغير المسنود بروح خلاقة ماذا كان سيحدث ؟على اعتبار أن جزءا كبيرا من حملة الشواهد وغيرهم وجدوا في بطن التجربة المشلولة التي سيغيب فيها طبعا مع مرور الزمن أي أفق لتغيير الأوضاع والارتقاء الاجتماعي المشروع .

اليوم علينا أن نعيد التفكير في بنية الأوضاع الاجتماعية وعلاقتها بما هو دخل فردي ومؤشرات التنمية وعلاقتها بمتطلبات العصر والغلاء والسوق والأبناء وتمدرسهم، علينا التفكير بمنطق اقتصادي وليس بتوزيع “المانطات” سرا بين أناس غاياتهم سلمية وحقهم يبدو أنه حان الوقت لنقاشه بدون مزايدات على أصحابه أو وصفهم بما لا يجتمع مع صدق ما خرجوا من أجل إحقاقه.

فجمع القمامة ليلا ونهارا بكل الأحياء ليس ترفا، والاشتغال بمقرات كل المقاطعات وبكل مكان ليس سهلا، وأبناء السميسي ريجي الذين يتقاضون مرتبا لن يوازي حجم الانتكاسة النفسية التي تعرضوا لها على طول الخط كل هذا يوازي حلم أمة علينا إدراك تبصرها

إنه عكس أن أتقاضى رقما هزيلا مقابل أن تدعني بدون وظيفة،” شبحا”؟ إنها الإهانة  التي أجزم أن عبدا حرا مهما كان يرفضها لأنها حاطة بالشعور والجدوى، أتكلم عن الأعداد الغفيرة التي تنتمي إلى تلك الجمعية وتأخذ مرتبات كل نهاية شهر ولا تقدم أي خدمة وبينهم نساء كثيرات وبعضهم يوجد في كل كان من خارطة الوطن .

عكس هؤلاء، فوعي أولئك بالقهر هو الذي أخرجهم ، بل ويجب الاستماع إليهم وليس التلصص عليهم ، أو احتقار وضعهم وإضعاف جهودهم والنيل منهم ، وتقليل قيمة مطالبهم . إنهم مواطنون ، عودوا إلى فيديو للرئيس السابق الأمريكي” اوباما “مع عمال النظافة بالبيت الأبيض وبكل البلدان التي تحترم نفسها ، أما والتواطؤ وإخماد هذه الأصوات وغيرها فإنه لا يزيدها إلا زئيرا.

إنهم ليسوا معارضون ولا مارقون ، هم أبناء هذا الوطن ، هم أشخاص صالحون لم يرضو الحصول على مبالغ من مؤسسات الدولة نهاية كل شهر بدون مهمة ولا وظيفة ، هم أفضل الناس .

أتمنى من الفاعلين أيا كانوا التفكير بحزم اتجاه القضايا التي لا يزيد إخفاءها إلا بروزا ، والمهم أنه بات ضروريا إيجاد حل ليس فقط لهذا العدد ! بل لكل جمعية وجدت في مرحلة ما وبات اليوم الزمن يتجاوزها ويتجاوز طرق اشتغالها خارج هيكلة قانونية وإدارية بما فيها من موارد بشرية وموارد قارة وحقوق وواجبات بعيدا عن المنطق الذي وجدت من أجله كل هذه “الثلاث” مقاربات وبقية القصة معروفة .