افتتاحية

  • الدرس الكاتدرائي.

    بقلم : صبري يوسف في الواقع يبدو أن الإنسان مطالب بالصمت كاختيار ليس استراتيجيا، وإنما لأنه تمليه الظ...

اشهار

انضم لمعجبي أيام بريس

تطبيق ايام بريس

الرئيسية » افتتاحية » من داخل البرلمان المغربي.

من داخل البرلمان المغربي.

بقلم/ صبري يوسف.

إن الذين يمشون على كل شبر في الوطن تحكمهم قوانين وتشريعات البرلمان ، المؤسسة التي تنتج أخلاقنا ، مبادئنا ، سياستنا واقتصادنا ثقافتنا ..صمتنا إذا صمتنا فهو مبرر وحديثنا إذا صرخنا أو رفعنا الصوت فهو كذلك بالقانون ..حتى الصياح ينضمه القانون الذي تنتجه غرفتيه .

يوم الاثنين المنصرم زرنا واحدا من المؤسسات بهذا البلد . لا داعي للخوض في حيثيات الزيارة . كيف ومن ولماذا ؟ الأساسي هو أنه أتيحت لي فرصة الدخول من باب مؤسسة طالما اعتبرها المغاربة لم تغير حياتهم إلى الأفضل .

أظن واعتقد بيقين كبير أن دور الإعلام هو طرق الأبواب كلها ، وأن يبحث عن إمكانية كي يعرف كل شيء..ليس عيبا الجلوس مع المعارضة أو التعبير عن الاختلاف بروح لا تلغي الاحترام .

إنما الأصل في كل القضايا هو أن نلتصق فيها بنزاهة الواقع ، أن نكون صادقين واقعيين ، وهذا جوهر الرسالة .

فالذهاب إلى البرلمان رفقة حزب ليست خيانة أو جبنا أو شراء لذمم . فقد يأتي الدور على جهة أخرى وأحزاب لترافقها إلى أي مكان شاءت ..فلا يعتبر ميل أو خيانة عظمى تستوجب الطرد ..الإعلامي هو مع الجميع .مع اليسار واليمين والوسط ..مع الليبراليين والشيوعيين والإسلاميين والقوى الحية والمجتمع المدني بشرط أن يتميز مضمون ما ينتجه بالموضوعية .

على كل ، زيارة البرلمان لا يجب أن تثير حفيظة بعض الإخوة ، لكونها كانت رفقة حزب معين ؟ ليس بيننا وبينه إلا ما يعنينا في المهنة ألا وهو الحقيقة.

والحقيقة أن لقاءنا برئيس مجلس المستشارين كان مهما ، استمعنا للرجل الذي يجلس على كرسي يقرر في حياة المواطن البسيط في أعالي الأطلس الكبير …إلى سكان الأرياف التي هي تحت مستوى البحر، منه إلى سكان القرى والمداشر والمدن الصغيرة والكبيرة..رئيس هذا المجلس تحدث عن مؤسسته كما يتكلم أي مسؤول رفيع المستوى …قال بالتعددية واحتضان النقاش العمومي ..المساهمة في البناء ..التأسيس ..والانتقال …والتأهيل وما وراء دستور 2011 . إنما طغى على كلامه “التبخيس ” الذي تواجه به تلك المؤسسة وهذا مهم .

قال بأن هناك إعلاما يبخس دور مجلس المستشارين ، وأعاد هذه العبارة على مسامعنا ، بما يعني أن الأدوار الغير التقليدية للمجلس ولا حتى ما اسماه بالانفتاح الجديد لم يثمر ولم يغير شيئا في الأحكام الجاهزة للشعب اتجاه مؤسسة .ربما وبفائض كبير لم تساهم في تغيير أحواله التي تأكد في ركن أخر من الزيارة أنها هي المسيطرة إنما بلا مضمون.

قبل ذلك ، الولوج إلى البرلمان يتطلب حمل البطاقة الوطنية التي لا تستعيدها إلا بعد المغادرة . بالنسبة للبرلمانيين والمستشارين الأمر مختلف. إنما هناك مراقبة أمنية كالتي بالمطارات وعلى الحدود ، بالداخل هناك جو مختلف من أجله تساءلت حول لماذا ينفق عبد “مثقف أو بسيط أو صاحب سوابق أو رب أسرة ثري ” إلى استعمال أوجه “العنف الرمزي ” بتعبير” بير بورديو” للوصل هناك منفردا أو مع زوجته وأبناءه؟

بالداخل لا تخلو أي مساحة من تذكر عظمة البناء والأسوار والممرات والدهاليز والأبواب ..إذا ترك الفرد وحيدا لن يجد الطريق إلى الباب ..باستثناء إذا نظر من الزجاج المطل على “مسرح الاحتجاج “المقابل لمقهى “باليما” . هناك سيدرك أنه بالرباط بشارع محمد الخامس المشهور ..للبرلمان رجال خدام ، يلبسون الزي المغربي الأصيل ..طرابيش حمر وجلابيب بيض وبشرتهم تعلوها السمرة ، هنا العبور من المستشارين إلى البرلمان ، هنا مقرات الأحزاب الممثلة فيه ..الأحزاب التي ليس لها برلمانيون عليها أن تنتظر “سنوات ضوئية” كي تعبر إلى صف السبعة أحزاب أو الثمانية الكبار .ليصبح لها مقر فسيح مرتب يغري الفرد إلى أن يتصارع، وأن يتعلم كيف يتحدث جيدا، وأن ينفق أمواله ،أو يسجن لسنوات كي تتصالح معه السياسة في هذا البلد. وقد يكون محظوظا ويجد نفسه يطل على “العدوتين” الرباط وسلا ، من خلال زجاج يشبه ما يراه عبد زنيم في أمسية باردة وهو على كرسي للسينما حيث ينخرط إحساسه بالبرد برؤية كبير مجموعة يجلس بمكتبه والأمطار لا يسمع حسها ،والرعد وظلام السحب هي بالخلف وراء الشاشة ، إنما داخل مكتب الزعيم هناك الدفء ..المشهد كفيلم The god father  أو العراب للمثل الكبير “مارلون براندو”.

بالبرلمان هناك القبة الساحرة التي يشاهد المغاربة مخرجاتها وقراراتها وقوانينها وكل ما سيصبح بعد نشره في الجريدة الرسمية ساري المفعول عليهم ..سواء وهم رعاة وراء ماشيتهم ،أو ربات بيوت أو أي تفصيل وأي مجتمع هم ..فلاحون مزارعون مثقفون إعلاميون رجال أعمال صناع تجار أسوياء مرضى محتاجون ..البرلمان بلغة صريحة ينتج حياتنا وقد يعيد إنتاجها دائما في كل المناحي ..

تصعد درجا وتجد نفسك في فضاء الزوار والصحافة ، هاهي القبة التي شاهدت انتصار العديد من الأوجه فيها لسنوات وعقود من الضرب والسب والشتم ..انتصارا للضعفاء والمهمشين ..مات بعضهم ،وتقاعد جلهم، وغادر كلهم وأغلبهم .تتغير الزعامات وتذوب أخرى في ماء “الجنة ” ،ويتغير لونها كما يفعل “صباغو ” الصوف بالأسواق التقليدية..يمنحونها أي لون شاؤوا . والسؤال هل الضرب والريق واللعاب والعرق وحسن النية من عدمه غير في الواقع شيئا ؟

وأخيرا هذه هي القبة التي أريد للمغاربة أن يمثلهم فيها ممثليهم بشكل ديمقراطي انسجاما مع كل إنتاجات الإنسان الفكرية والمعرفية والفلسفية ،نحن هنا بين يدي أرسطو وأفلاطون وجميع الأفكار التي ناشدت تطور النوع الإنساني ..نحن هنا بين يدي مونتسكيو وجون لوك وجون هوبز، واحتجاج فولتير في “كونديد “، وتنازل” لاجوكند” عن مسايرة الكاثوليك وزواجه من سيدة فقيرة انتصارا للقيم الكونية مع عصر النهضة ..هنا كأي برلمان ، ففي الحقيقة وأنا جالس استمع إلى الأسئلة الشفوية طرق عقلي والوزراء يجيبون والنواب من كل فج عميق جاؤوا إلى هنا. تساءلت هل قرأ معظمهم كيف نشأت فكرة البرلمان ؟ وماهي أدواره الحقيقية ؟ وهل يعي هؤلاء تاريخ المغرب بمختلف إنتاجاته ولحظاته وقفزه وسقوطه ؟

تناسلت الأسئلة إلى حدود مساءلة نفسي لو كنت برلمانيا هل ستتغير مشاعري اتجاه من أمثلهم ؟ بحكم الشروط والظروف المحيطة بالمكان والامتيازات والسلطة والقوة التي سلخت من تاريخ علم السياسة بين كانط وديكارت، إلى هيكل وفيورباخ وكارل ماركس وسبينوزا وأدم سميت وبوبتول  ووليام فونت وفولتير وسان سيمون واوجيست كونت وماكس فيبر وايميل دوركايم ومارسيل موس.  وقبلهم جميعا ابن خلدون وبعده بقرون مشيل فوكو وبرتراند راسل إلى غاية جيل دولوز ونعوم تشومسكي وبيير بورديو وجاك دريدا.هؤلاء وغيرهم ،والذين سبقوهم من العصور الأولى للتفكير الفلسفي ،حول مفهوم السياسة و”الإرادة الخيرة” و”الواجب “وسلطة العقل  و”أنواع الدول” ومفهوم العدالة ..هل ما رسمه هؤلاء سيكون مفيدا عندي وأنا بمكان رحب تحيط به هالة من الآمن بعدم السماح بالتقاط صورة . فقط إسمع وشاهد وخمس كاميرات تنقل البث المباشر للمغاربة، الذي تساءلت بخصوصه حول كم هي النسبة التي تتابع أشغال الأسئلة الشفوية ؟

وهل يحظى محتوى النقاش داخل قبة البرلمان  المغربي بالاهتمام اللازم من طرف المغاربة ؟ وبماذا يرتبط لفظ “برلماني ” في اللاشعور واللاوعي عند المغاربة بمنهاج “فرويد” التحليلي  ؟

على كل تنتهي الأسئلة ويخرج الجميع إلى فضاء مرتب، مزين بالألوان الحمراء وأفضل ما تشاهده عينيك ، تلتقي المعارضة بالأغلبية ، يلتقي من طرح السؤال قبل قليل بمن أجاب عنه ..يلتقي من صرخ في وجه الوزير حد تصديقك في “الشعور ” بأنهم لن يتصافحوا ولن يتحدثوا ..فقط نحن المشاهدون أو العامة من نعتقد أن الصراع يبقى صراعا ، إنما في الحقيقة نحن من نتخاصم ونتصارع ونلغي بعضنا ولا نتصافح ونتقاتل في الأسفل ونموت غيضا وحزنا وانتقاما ودسيسة من بعضنا بعضا ..بينما في البرلمان وفي زمن من الراحة نشرب الشاي ،وقد يجمع بيننا أكثر من رابط ..قد يكون أسريا واجتماعيا واقتصاديا ومصلحيا ..إنها حالة “استثنائية ” غريبة تصيب تمثل مغربي بسيط للأحزاب بكون بعضها لا يمر على نفس الطريق الذي يمشي عليه معارض له ..إنني كنت قبل سنوات مشدودا إلى أن قاعدة الصراع الديمقراطي هي عمودية تم أفقية.  فيما وجدت أن الأمر مختلف، الصراع أفقي فقط. يعاكس نظرية ماركس ويبقي على الوعي الزائف والاستلاب وبقية المفاهيم حول إعادة الإنتاج صامدا . عموما هناك الكثير من التسامح بين السادة البرلمانيين ..فخطر على بالي أن تذكرت سقراط في محاورته “للسفسطائيين ” وجواب أحدهم بكون العدالة هي “الأصلح للأقوى”  .

تنتهي النقاشات وتنتج القرارات ومشاريع القوانين والقوانين التي تسري على مفاصل الحياة العامة سريانا لا هامش فيه للتسامح أو لفقه الواقع ..

في الجانب الأخر هناك” مسرح الاحتجاج” والأجهزة ،والمارة والأفارقة وباعة السيجارة وحراس السيارات وجميع المظاهر الممكنة في مجتمع ينتمي إلى ما بعد الحداثة، فقراء باعة كتب مقاهي ، ألبسة وربطات عنق وسيارات. حركة عارمة في مشهد سريالي بين ما أنت فيه ..صمت ودفء المكان.  وحقيقة أن العالم الذي خلف الزجاج العملاق ينتمي إلى عصر أخر، بينما هو واقعنا جميعا الذي نشاهده من زوايا متباينة كما في علم النفس ..بين “ملاحظة ذكية وملاحظة ساذجة” ..على هدين المعطيين تتوقف جميع التحولات المرتبطة بالوعي .

بقية الإشارة إلى أن زعيما من حزب الجرار زرنا مكتبه ، وطرحنا عليه أسئلتنا ، بين الفكرة النبيلة يوما من مشروع البام إلى الآن ، أجاب بكونه قلق على مستقبل بلاده ،وأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والحكومة الحالية هي السبب لأنها برأيه لا تملك مرجعيات اقتصادية وليست حزبا للإصلاح ..مسح كل شيء في الأغلبية وحزبها المعلوم ، تحدث عن التفاهة ،وأن الوضع غير مطمئن .

وأن قوى الإصلاح عليها الانكباب لتصحيح الوضع ، وأن من  يثبت عليه “الفتور ” خصو يمشي فحالو”.طبعا دافع عن حزبه وذاك حقه ، وقام بهدم أحزاب الحكومة بحكم أنه يمارس المعارضة ، وحملها جميع ما يعيشه المغرب حاليا وتفويت فرصة دستور 2011..وفيما هو يستعرض بما أسماه “الواقعية السياسية ” بدون لغة الخشب ..تأكد لي أن لغة الخشب هي السائدة ..التفت إلى مكتبه الفسيح وخلفه وخلفنا بالطابق ربما الثالث كانت الأمطار تتساقط على الضفة الأخرى من مدينة سلا ، حيث تظهر واجهة أبو رقراق ، ومعمار وعمران “العدوتين” بمسرحها العظيم ومجموعة من المشاريع العملاقة ، أن تسمية المعارضة لا تعني “الجوع والعراء والموت حسرة ” لا طبعا . فالجميع داخل البرلمان بخير وعلى خير ، دفء ولباس وأناقة وسيارات في الأسفل، وفنادق مصنفة وامتيازات ..وأنه عليك فقط أن تلصق فشل المغرب على جميع المستويات في الحكومة ، وأن تتعفف في النقد أو تحفر عميقا في انتظار ما أن يأتي عليك الدور ليستريحوا هم كذلك بالمعارضة التي لا تلغي أجرا يتجاوز 30 ألف درهم، ولا تلغي امتيازات ولا مصالح ولا قرابة ولا أوكسجين ..هكذا منذ عقود .معارضة تمسح “عار” المجتمع في الحكومة ، وبعدا تصير المعارضة حكومة ويأتي الدور على من سبق لنفس المسح الذي لا يضيع رفاهية ومكاتب مكيفة ..قلت كيف يقلق هذا الزعيم السياسي ويغمرنا نحن بخطاب “شعبوي” دون أن يعي أنه لدينا بعض مضادات تلك اللغة التي هي في الأصل “تشكيل ” إذا لم ينتبه من يجلس أمام السياسيين .

حضرنا وجبة للغداء كانت عادية ، وصادفنا بعض البرلمانيين الذين نشاهدهم ، وبتنا نعرفهم ..شاهدنا بعضهم لا يحرك ساكنا ، وآخرون يهرولون إلى المغادرة بعض تسجيل الحضور فقط..ونقاشات وضحك وسخرية أحيانا ونقر على الهواتف وأسئلة سطحية وبعضها جاد وأخرى تافهة وتنازل وتماسك إلى حين المغادرة …

صراحة زيارة البرلمان تغري بأن يستثمر الذين وصلوا إليه بدفع جميع جهودهم للعودة إلى هناك ..ومشاهدة “مسرح الاحتجاج” وراء الزجاج العملاق .والتصديق بأن ذلك الواقع لا ينتمي إلى تلك “الطبقة ” .إنما هناك الصادقون وهناك الحالمون والطامعون والمؤمنون والملتزمون والواقعيون والطاهرون بقيمة تحقيق العدالة على جميع أصعدها واكتساب المغرب بعدا ديمقراطيا تتجلى فيه جميع الحقوق. وهناك من يعبر على نفسه من زاوية حزب أو تجربة سياسية منحته تذكرتها فقط من أجل اكتساب العدد “البرغماتي ” ليس بمعنى “برغماتية “المنظر” ويليم جيمس”صاحب المذهب الفلسفي الأمريكي ..بل” برغماتية” أخرى لها مدلول ومفاهيم أخرى .